- الخراز: إبعاد شبح الخلافات والنزاعات وحب الوطن معانٍ لا تخرج الهجرة عنها
- الشطي: الهجرة النبوية أعطت درساً في تعليم الأجيال حب الأوطان والانتماء لها
تعتبر الهجرة النبوية الشريفة اهم حدث في تاريخ الإسلام بعد نزول الوحي، حيث أدت الهجرة الى انطلاق الدعوة الإسلامية في جميع أنحاء العالم، تعلمنا منها دروسا في الأخلاق والقيم والعبادات وحب الوطن والارتباط به والدفاع عن ارضه ومقدساته وتحقيق المواطنة، وهذا ما يؤكده الدعاة:
في البداية، يحدثنا الداعية خالد الخراز عن الهجرة النبوية ودعائم المواطنة المتمثلة بها، فيقول: فطر الله سبحانه الإنسان على أمور عديدة، منها حب المرء أهله وأولاده وأصحابه وماله وكذلك وطنه الذي عاش فيه وترعرع في أكنافه، فحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس تجعل المرء يستريح في البقاء فيه ويحن إليه اذا سافر لو غاب عنه، ويدافع عنه اذا هوجم ويغضب اذا انتقص منه، وأضاف: والمواطنة في حب الوطن الذي يترجم بشكل عفوي الى سلوك ايجابي تجاهه من حيث خدمته والدفاع عنه، وقد كرست الهجرة النبوية هذا الشعور النبيل كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: ما أطيبك من بلد، واحبك الي، ولولا ان قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك (رواه الترمذي 2926 وصححه الألباني)، هذا الخطاب لمكة بعد ان اخرجه اهلها منها وللاو اخراجهم اياه لبقى فيها، لذلك وعده رب العزة سبحانه وتعالى بالعودة اليها كما قال سبحانه (ان الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد).
ويؤكد الداعية الخراز ان حب الوطن يتمثل في حب الخير للأمة والسعي فيما يصلحها وإبعاد شبح اي خلاف او نزاع يراد التفريق فيها، والهجرة لا تخرج عن هذه المعاني الكريمة، فإرادة الرسول الكريم الخير للأمة دفعته للهجرة من مكة، وبالارادة نفسها جعلته يعود اليها متوجا بالنصر، وكذلك نصرة اهل المدينة للدين دفعه الى حب المدينة واهلها، ولم ينقص ذلك من حبه لمكة وهي البلد الحرام، ان حب الرسول الكريم لمكة جعله يدعو اهلها للدين الحنيف وذلك لارادة الخير لهم، فهو اراد النفع لبلده واهله، ولم يستجيبوا فهاجر ليعود، وكذلك نصرة اهل المدينة له جعلته يحب المدينة واهلها ويحرص على غرس الإيمان في قلوبهم، وكذا نحن يجب علينا ان نحرص على وطننا من خلال ارادة الخير له ولأهله، وما الخير الا التمسك بالدين الحنيف والعمل به، فالهجرة تؤكد حب الوطن والمواطنة الصالحة هي ارادة الخير للناس وتتمثل في سلوك المسلمين الايجابي وحبهم لدينهم وبلادهم.
واكد ان المواطنة وحب الوطن والاخلاص له فيما ينبغي على المسلم فعله والاستمرار فيه، ولا تعارض بين حب الوطن وحب الإسلام والمسلمين، فالمسلم يحب وطنه ويحب إخوانه في كل مكان، ولا تناقص في حب المسلم للأشياء الأخرى المباح حبها من حب الأسرة وغير ذلك، وبين أن مظاهر حب الوطن ان يعمل الإنسان ما استطاع من اجل حماية مكاسبه وصيانة خيراته ويكون عينا حارسا له من كل عدو متربص في الداخل والخارج، وكل ذلك مع تقوى الله والشعور بنعمته.
وأشار الداعية الخراز إلى أن للهجرة دروسا كثيرة أهمها الحب الحقيقي للوطن وهو تأصيل العقيدة الصحيحة بمفهوم سلف الأمة وترسيخها في الأجيال، حينئذ ينشأ جيل يؤمن أهله يدعون الى خلو البلدان من مظاهر التكفير والبدع والمنكر، ان الحب الحقيقي للوطن هو نشر الفضيلة والعفاف والعلم والخير به، والوطنية الحقة عقيدة راسخة ومجتمع موحد وشعب عفيف متآلف، وقيادة راشدة، وجيل يحب للناس الخير يتصف أهله بالرحمة والألفة والإخاء والتكافل الاجتماعي، ان الحب الحقيقي للوطن يتجلى في نشر الوسطية بالعقيدة الصحيحة واقامة شرع الله والقضاء على اسباب الشر والفساد والرذيلة وكل عوامل الفساد.
من جانبه، يشير د.بسام الشطي الى ما حققته الهجرة النبوية من ارساء مبادئ العدل والمساواة واحترام حقوق الجميع دون تفرقة، وارساء مبادئ المواطنة، وهذا ما عبرت عنه وثيقة المدينة التي تعرف بأول وثيقة عرفتها البشرية لحماية حقوق الانسان، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والانصار، وقد ضرب الجميع القدوة والمثل في الإيثار وحب المسلم لأخيه، وقال: من اهم هذه الدروس تعلم قيمة الانتماء ومحبة الاوطان، فحين شارف النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من مكة المكرمة في طريقه مهاجرا الى المدينة المنورة، نظر اليها وفي عينيه دموع المفارق لحبيب، وقال بكلمات حانية: والله اني لأعلم انك احب بلاد الله الى الله واحب البلاد الى قلبي، ولولا ان اهلك اخرجوني منك ما خرجت، وهذا يدلنا على مدى شدة الانتماء لوطنه مكة على الرغم من انه قوبل بعنت وأذى شديدين من اهلها، وقد تعلمنا من هذا الموقف التذكير بضرورة ايجاد العلاقة الروحية والانتمائية والنفسية بالمكان الذي ولد وتربى ونشأ فيه الانسان.
وقيمة الحب والانتماء للوطن تقتضي من الانسان ان يكون حاميا ومحبا ومدافعا عنه ومفتديا له بكل غال ونفيس، عاملا بكل ما في استطاعته وقدراته على المحافظة على كل ما فيه من مقدسات وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الخاصة الضيقة حتى يتحقق لهذا الوطن التقدم والرفعة والاخاء والتنمية لجميع ابنائه، موضحا انه يجب على الاسرة اولا والمؤسسات التربوية والاعلامية ان تغرس قيمة حب الوطن والانتماء له في نفوس النشء حتى يتربوا منذ الصغر عليها وتكون ملازمة لهم في شبابهم، فلا يقعون فريسة لافكار تنحرف بهم عن المسار الصحيح.