قال تقرير الشال إنه مع كل إعادة تشكيل للحكومة الكويتية، تكثر المطالبات وترتفع الآمال في تغيير جوهري في نهج التشكيل، وفي كل مرة تعود -المحاصصة-، ثم يتم ترميمها ببعض الوجوه المهنية، وبعضها أفضل المتوافر في الكويت.
ومع نهاية كل حكومة، يرحل معظم المهنيين وهم مصابون بالإحباط، ويخسر البلد جهودهم، ويعزف من يعرف تجربتهم المحبطة عن المشاركة في حكومات قادمة، ويزداد مستوى العجز الحكومي وترتفع مستويات الفساد.
واحد من أهم المبادئ العامة في علم الإدارة والسياسة، هو أن المسؤولية بقدر السلطة، بمعنى أن إخفاق أي إدارة في تحقيق الأهداف العامة، يتبعه تغيير جوهري في تركيبتها، وفي الكويت، وبشهادة الجميع، لا يقتصر الإخفاق على إنجاز الأهداف العامة، وإنما دخلت الكويت مسار تخلف على جميع المستويات.
والتخلف يشمل فشلا معلنا ورسميا لكل خطط التنمية، وتردي التعليم وخدمات الصحة والبنى التحتية وواجهة البلد من مطار وموانئ، ويمتد لما هو أسوأ، مثل التخلف في مؤشرات مدركات الفساد والتنافسية وسهولة إنجاز الأعمال.
والكويت موعودة بتشكيل جديد لحكومتها، إن تحقق بتكرار الإدارة العامة نفسها، فهي موعودة باستمرار الإخفاق، ولا يحتاج الأمر إلى حبس الأنفاس انتظارا لإعلان التشكيل حتى يمكننا الوصول إلى تلك الخلاصة، ما لم تكن النوايا معلنة وقاطعة بتغيير جوهري للنهج والشخوص.
والإصلاح الإداري حكمه حكم محاربة الفساد، لا بد أن يبدأ من أعلى درجات السلم، هبوطا إلى أدناه.
والكويت تمر في ظرف حرج، فالضغط المالي قائم ويتزايد، وحولها عالم تعصف فيه أحداث العنف والخلاف، ولا أحد على الإطلاق يتقدم على ضرورة ضمان استقرار الوطن.
وفي كل مرة تخفق فيها الكويت في تحقيق الإصلاح، تكون قد أهدرت وقتا وموارد لا يمكن تعويضهما، ومعهما تصبح فرص الإصلاح في المستقبل إن وجدت، أكبر تكلفة وأقل حظا للنجاح.
ديوان المحاسبة.. جرأة في الانتقاد المستحق
ذكر «الشال» ان تقرير ديوان المحاسبة الصادر مؤخرا أوحى بارتقاء في المستوى واتساع في مساحة الرقابة، ولعل الأهم، هي الجرأة في تسمية الأمور بمسمياتها، حيث ذكر بأن إعلان وزارة المالية عن تحديث التصنيف والتبويب لتفعيل المنظومة المتكاملة للإصلاحات الهيكلية والتوجه الفعلي لنظم الإدارة المالية الحكومية، لم يتحقق.
ويشير إلى أن نتائج التطبيق في سنته الأولى تجعل الديوان يتحفظ على صحة ما جاء بالبيانات الواردة في الحساب الختامي للإدارة المالية للدولة.
ويؤكد أن هدف الإصلاح المالي من خلال ترشيد الإنفاق، لم يتحقق، وأن مساهمة إيرادات النفط الفعلية في تمويل الموازنة لا زالت بحدود 89.2%، أي نفس مستويات الخلل المالي الهيكلي.
وأن خلل توزيع تلك النفقات ظل كبيرا جدا، حيث تلتهم النفقات الجارية نحو 87.5% من جملة النفقات العامة، وأن الرواتب والأجور وحدها تبتلع نحو 79.3% من جملة الإيرادات النفطية، وعجز المالية العامة ظل غير محتمل وبحدود 5.92 مليارات دينار. ولا زالت المالية العامة تدعم الموازنات الملحقة والمستقلة بنحو 4.1 مليارات دينار كويتي، رغم وجود فائض كبير وغير مبرر في أعداد تلك الهيئات، وذلك كله يجعل هدف استدامة المالية العامة غير ممكن.
شمولية التقرير، يعكسها ذلك القلق الواضح حول المستقبل، أي الدعوة إلى سياسات استباقية حصيفة، وذلك في واقعه أفضل من الرقابة اللاحقة، فهو إلى جانب تشكيكه في استدامة المالية العامة، يعرج على ضرورة ربط النفقات العامة بمشروع التنمية، وهو الأمر الذي لا يحدث.
ويتحدث تفصيلا عن نوعية الإنفاق، وينتقد تجاوز ملاحظات الديوان في تمرير بعض المشروعات التي لا تنطبق عليها القواعد والمعايير المتفق عليها.
ويذهب أبعد من ذلك في انتقاده للأعداد الكبيرة للهيئات العامة، ويطلب عدم تأسيس أي هيئة أخرى، شاملا نوايا إنشاء الهيئة العامة لمدينة الحرير، ويدعو إلى حل أو دمج وزارات وهيئات قائمة تحوطا من استشراء ذلك التوسع في تأسيسها لاعتبارات وهمية مثل التنفيع.
وتبقى قضية الجرأة في الانتقاد المستحق ميزة استثنائية، فقد تعودنا على مؤسسات عامة تقوم بالعكس، وتغلف الباطل بالصحيح طمعا في منصب أو ترقية مسؤوليها، فالتقرير ينتقد مجلس الوزراء الذي يتم اللجوء إليه لتجاوز اعتراضات الديوان وذلك بالاستخدام الخاطئ لنص المادة (13) من قانون ديوان المحاسبة.
ويذكر 4 حالات تجاوز فيها مجلس الوزراء تحفظات ديوان المحاسبة وتسببت في تحمل المالية العامة لأعباء إضافية بحدود 38.39 مليون دينار، ولم يتم إجراء تحقيق فيها ومحاسبة المتسبب.