كانت سورة «النور» تسبق هذه السورة نورا من نور الله عز وجل، شملت حدود الله وشرعه، لم يفرق الله تعالى بين عمل أخلاقي وآخر تعبدي.
وكانت سورة «الفرقان» تكملة لهذه السورة، حيث افتتحت بتمجيد الله الذي أنزل آيات بينات على نبيه الكريم، هي الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والنور والظلام، فكان النور المشع من سورة النور مقيما أمر المسلمين على نور مبين، وهذا النور هو الفرقان، كرر عز وجل قوله «تبارك» ثلاث مرات، وتبارك لم يبتدأ بها إلا في سورتين، كما جاء لفظ تبارك في القرآن في تسعة مواضع.
يقول الله عز وجل حامدا لنفسه الكريمة تبارك: أي تكاثر خيره وتعاظم وتنزهت صفاته وهذا بيان لعظمته الكاملة وتفرده بالوحدانية وكثرة أوصافه وخيراته وإحسانه.
مدح وثناء وشرف
بعد أن نزلت السورة بتعظيم الله عز وجل يعلمنا سبحانه تعظيم سنته وكان هذا ديدن الصالحين من قبلنا، مدحه الله بأعلى وأشرف صفة، وهي العبودية لله، حيث أضافه الى عبوديته، وفيه شرف تنزيل القرآن عليه وشرف الدعوة التي خص بها عز وجل نبيه أن أرسله صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وبذلك ختمت الرسالات وكمل به صلى الله عليه وسلم دين الله.
وهذا القرآن المنزل على هذا العبد الشريف إنما أرسل من عند الله (الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا) يعرفنا الله هنا بألوهيته وان له الملك المطلق للسموات والأرض فما حاجته للشريك أو الولد؟
بعد أن قرر عظم ملكه (لم يتخذ ولدا) و(خلق كل شيء) ما من مخلوق يخلقه الله عبثا (فقدره تقديرا) كان يكفي أن يقول تعالى خلق كل شيء وقدره، لكنه عاد بهذه اللفظة وهي مفعول مطلق من صيغ التأكيد، فقدر الله كل شيء بدقة وعلم وميزان، فإذا كان الله تعالى الذي قدر الأكوان بهذه الدقة أليس بقادر على إدارة حياتك أيها الإنسان، لقد خلقك لتحقق عبادة الله في نفسك وفي الأرض.
تكذيب
(واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يُخلقون... الآية) عبدوا من غيره من لا يقدرون لأنفسهم أذى ولا خيرا ولا يفعلون هلاكا ولا بعثا واتخذوا من دونه آلهة توجهوا اليها بالعبادة.
وقال الذين كذبوا إن هذا إلا كذب اختلقه وساعده عليه أناس آخرون (إن هذا إلا إفك افتراه.. الآية) يقولون ان القرآن هو كذب اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم وأعانه عليه قوم آخرون ساعدوه على اختلاقه، ويبين الله أن هؤلاء الكفار جاءوا ظلما أي زورا وباطلا.
باب التوبة مفتوح
وهنا يلقن الله جل وعلا نبيه للرد على هؤلاء بقوله (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض) يخبر تعالى بدقيق علمه فهو عالم سرهم وجهرهم وعالم بمناجاتهم وبمؤامراتهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم بل عالم بخلجات الضمير، والغريب أنه يعود على عباده فيقول (انه كان غفورا رحيما) يفتح باب المغفرة والتوبة.
وغفور صيغة مبالغة أي كثر غفرانه فإذا عاد الانسان بالتوبة الى الله عاد عليه بالمغفرة، ومن رحمته أنه أمهل هؤلاء وفتح لهم باب التوبة.
مقالة المكذبين
يعود الله عز وجل ليبين افتراءاتهم (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.... الآية) هذه مقالة المكذبين للرسول الذين اعترضوا أن يكون بشرا، فالذين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق للبيع والشراء لا يليق بهم أن يكونوا رسلا، وهذا - بزعمهم - وعلة المكذبين هي تكذيبهم بالآخرة والبعث (بل كذبوا بالساعة) المكذب لا سبيل الى مجادلته وإنما نزول العذاب به، لهذا قال (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) أي نارا عظيمة اشتد سعيرها واشتد زفيرها أعدها الله لاستقبالهم.
في تلك اللحظة وهذا المكان دعوا على أنفسهم بالهلاك وهم في ضيق المكان وتزاحم السكان وإقرانهم بالسلاسل والأغلال في هذا العذاب يرد اللــه جل وعلا عليهم: لن نخفف عنكم العذاب.
جزاء المتقين
ثم ينقلنا القرآن من مشاهد الواقع الى مشاهد يوم القيامة، وهذا من عظم التصوير القرآني، فذكر جزاء المتقين فقال: (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون...) هؤلاء المتقون مآلهم الى الجنة من فضله ومنته جعل الجنة جزاء ومصيرا، وهذا بفضل الله (لهم فيها ما يشاءون) خلود ونعيم مقيم وجائزة من الله وعدها للمتقين (كان على ربك وعدا مسؤولا) تأكيد من الله عز وجل وعدا واجبا يوجبه الله على نفسه.