مفرح الشمري
Mefrehs@
ضمن العروض الرسمية لمهرجان الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي بدورته الثامنة عرضت امس الاول مسرحية «من دون قصد» على خشبة مسرح حمد الرجيب بالمعهد العالي للفنون المسرحية.
و«من دون قصد» تأليف مريم نصير، إخراج بدر الحلاق، تمثيل سعود بوعبيد، محمد أكبر، بدر البناي، هاني الهزاع، مصطفى محمود، محمد الأنصاري، محمد البلوشي، محمد ملك، وصمم الديكور محمد الشطي، والإضاءة حسين الحداد، والأزياء حصة العباد، ومساعد مخرج عبدالله الشواف.
تدور احداث المسرحية حول مجموعة من الاشخاص في السجن بتهم غير معروفة، منها الكيدية بسبب قوة السلطة التي ادخلتهم في هذا السجن باحكام متفاوتة.
وقصة هؤلاء الاشخاص تندرج تحت المثل الشائع «ياما في السجن مظاليم»، فماذا يحدث للإنسان عندما يتهم باقتراف جريمة لم يرتكبها؟ وماذا يحدث حين يجد نفسه سجينا يشاركه سجناء أبرياء مثله يتعرضون لشتى أنواع القهر؟ لكن في حقيقة الأمر، رغم هذا الظلم الذي يقع على خمسة أشخاص سجناء فلا يعفيهم من المسؤولية، ولم تسعفهم النية الحسنة، حيث وجدوا أنفسهم مع السجان وفي عدة زنازين ولكل منهم تهمة مختلفة، منها الاختطاف، غسيل أموال، السرقة، إلى أن وصلت التهمة الأخيرة لسائق «تاكسي» بأنه قاتل وهو في الحقيقة لم يقتل، لكنه قام بتوصيل القتلة والإرهابيين من دون أن يدرك، لكن فلسفة العرض تؤكد أن كل شخص مسؤول عن تصرفاته ولا بد لكل من يقوم بعمل أن يتحرى عنه، حتى لا يقع في المحظور، فبالرغم من أن هؤلاء المتهمين لم يقترفوا أي تهمة في حقيقة الأمر فإنهم مسؤولون عن تعاملهم مع المجرمين، ووضعوا أنفسهم في محل شك وشبهة، ومن هنا يتضح نضج العرض، من خلال مقولة «إننا جميعا سائقو تاكسي» فنحن مسؤولون عن تصرفاتنا في الحياة، سواء عند توصيل نائب إلى قبة البرلمان أو امتداح وزير أو الدفاع عن أشخاص في أي اتجاهات دون قراءة منطقية للحدث.
كان المستوى الفني للعرض شائق ومثير، وظهر جليا انضباط حركة الممثلين على الخشبة، لاسيما في المشاهد الجماعية، حيث كونوا جميعا شكلا انسيابيا، لاسيما في عملية الدخول والخروج إلى الزنازين، وقد ساهم في ذلك رشاقة الديكور الذي صممه محمد الشطي، فقد تم استخدام من الخلف زنازين ومن الأمام مكتب التحقيق والتعذيب من قبل الضابط، فضلا عن أن تصميم الديكور جعله منفردا وجديدا، وكان المخرج ذكيا حين قسم المسرح إلى نصفين ليقدم تشكيلات الممثلين بشكل رحب، كما استطاع بطل العرض الذي جسد شخصية سائق التاكسي، مع الضابط أن يستخدما العامل النفسي في رفع مستوى ذروة الأحداث على الخشبة.
وشكلت الإضاءة عنصرا مهما في أجواء السجن، وكانت بؤرة انطلاق للكثير من الأحداث، لاسيما عند دخول السجين لأول مرة إلى فناء السجن، وكذلك في حالات التعذيب، رغم الهنات البسيطة التي كان سببها الاول بعض الممثلين الذين لم يلتزموا بالوقوف في بقعة اضاءاتهم، ويرجع هذا الأمر الى عدم الخبرة لديهم لأنهم طلبة وبحاجة الى تدريب للوقوف بطريقة صحيحة في بقع الإضاءة المخصصة لهم.
مثل العرض إطلالة جيدة لكل من شارك فيه، لكن مستويات الصوت بالنسبة للممثلين كانت بحاجة إلى عملية انضباط أكثر، حيث ظهر الكثير منهم يتحدثون بصوت عال وخشن، والبعض الآخر لم نسمع صوته في الصالة بشكل جيد، كما ينبغي أن يكون هناك اهتمام أكثر باللغة العربية ومخارج الحروف، لكن هذا لم يقلل من الجهد الكبير الذي قدمه الممثلون في العرض وسيطرتهم على مشاعر الحضور من خلال أدائهم المقنع على خشبة المسرح.
خلال الندوة التطبيقية في قاعة الراحل أحمد عبدالحليم
بدر الأستاد: الحرية الثيمة الأساسية للمسرحية
بعد الانتهاء من العرض المسرحي «من دون قصد» عقدت الندوة التطبيقية الخاصة به في قاعة الراحل أحمد عبدالحليم وأدارتها الطالبة عايشة العبيدان وعقب عليها الطالب بدر الاستاد والذي شكر طاقم العمل على العرض الذي قدم، مؤكدا ان ثيمة المسرحية الاساسية هي الحرية وان هذه الثيمة يبحث عنها الجميع.
وتابع بدر قائلا: الشخصيات كانت متزامنة مع الحوار وملائمة لابعادها وتبين لنا ذلك اكثر من خلال اللون الاسود الذي يعطي دلالات كثيرة منها الحزن والتعاسة والالم والفقدان والمعاناة، وكانت الاضاءة ملائمة للعرض، حيث بينت الجو العام للمسرحية، وكان هناك بقع ضوئية مسلطة على الشخصيات واضاءة مائلة للون الاحمر تدل على العنف والصراع، كذلك كانت هناك اضاءة مائلة للون الازرق وتدل على الحيرة.
وأشار الى ان الديكور كان بسيطا ولكن استطاع المخرج ان يجعل من البساطة عمقا، وقال ايضا: الايقاع البطيء وتصاعده يعني وجود الصراع، كما ان تأخر الاضاءة في بعض النقلات وكثرة التلاعب بها لم يكن موفقا.
احتفالات الروح المسرحية في المهرجان الأكاديمي بالكويت
ا.د.عبدالكريم عبود عودة
جامعة البصرة ـ كلية الفنون الجميلة
حزمت أمتعتي مسافرا نحو مدينة أتنفس فيها الحرية، «الكويت» تفتح لي ذراعيها وتحتضن أحزاني وحسرتي وضياعي وأملي. أيام الحلم القادمة سأكتب فيها على سطح أوراق غرقت في بحر تأملاتي، سأكتب عن معنى الاحتفال الذي ارتبط بذاكرتي، نبض حقيقي عن أيام أعيشها الآن، وماض من العلاقات التلقائية التي تجسد حقيقة الأخوة، وواقع نعلن فيه عن اتفاق معارفنا بالمسرح وغاياته، أعادتني هذه الذكرى إلى احن الليالي وأكثرها صفاء.
فضاء المسرح احتوى كل الاختيارات بتضاداتها واتفاقاتها بحلوها ومرها.. كان فضاء اللقاء بالأحبة المسرحيين في المعهد العالي للفنون المسرحية حقيقة تسعد الروح وتؤسس لتأملاتنا مسرحا كبيرا هو منطلق هذا اللقاء الرحب، إنه درس في أخلاقيات المسرح لا ينسى.. انطلق من عمق المشتركات التاريخية بين الأشقاء ليحط في ارض الكويت، كويت الاختيار والانتقاء الذي يمثل بعثا للروح المسرحية الصادقة والاشتغال على المشروع الجمالي والأكاديمي الذي يجمعنا، من هنا بدأت الأيام تنمو وتكبر في جمجمتي المتضعضعة فصار لتلك الروح حب ووجود وانتقاء وذكرى ومسرح يسكن داخلها ليحقق لها الأمان.
أصدقائي جئتكم من مدينة البصرة حاضنة الحنين ومنبت النخيل مدينة الشعر والأدب والفنون حاملا الأمل لأتخطى الألم، فانتم فرحتي وبهجتي وعيدي، فلا اسمح لكل شياطين الدنيا أن تسرق مني هذه اللحظة وهذا الفرح الكبير.
قاعات المعهد جميعها مفتوحة للمعرفة، ندوات تطبيقية تؤسس للطلبة معرفة نقدية جادة وهم يواجهون الجمهور بنصوص وخطابات النقد لمنجزات العروض المقدمة من أقرانهم الطلبة والمشاركة في المهرجان.
محاضرات لأساتذة صنعوا بجهودهم وخبرتهم طريق الإبداع المسرحي الجوهري العميق، إنهم من مصر الكنانة وتاريخ والفن الأصيل متمثلين بالأستاذ د.أبوالحسن سلامة والدكتور المجتهد في بحثه ورؤاه طارق عبدالمنعم.. جاءت مشاركتهم البحثية ضمن إطار ندوات عن مسرح الصورة وعن الإيقاع والتلقي المسرحي، عمقها الاخوة المتداخلون بأطروحات قيمة تؤكد التجربة المسرحية العربية وانفتاحها على جديد المسرح العالمي اليوم.
مشاركات المسرحيين العرب وتأكيد الحضور من مصر والأردن وعمان، وأنا وسط هذا الجمع اشعر بالفخر لأنهم رسموا في هذه الأيام البيضاء صورا للأمل الذي ابحث عنه في تأملاتي.
خلايا النحل تتحرك على خشبة المسرح لتبني فضاءات جديدة لعرض اليوم الثاني، إنهم طلبة جادون وفاعلون يحملون في دواخلهم حب المسرح والانتماء له، طاقات شبابية تحتاج منا إلى رعاية وتشجيع وتوجيه حتى نضع أحلامها في طريق البحث عن الحقيقة الاستاطيقية، لنكشف معهم وبصدق عن مشروعهم ومقترحاتهم الجمالية التي تعبر عن روح هذا العصر الذي نعيشه بكل تناقضاته ومداخلاته ولنعمل معهم على إنتاج خصوصية إبداعية تمثل ثقافتنا وفهمنا للواقع، وهي أنموذج فني وإبداعي لروح شبابنا العربي اليوم وهم يتلقون الدرس الأكاديمي في التخصص المسرحي.
أبارك للأصدقاء في المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت وربان سفينتهم المخلص الصديق د.فهد الهاجري عميد المعهد.. أبارك لكل من ساهم بالدعم والمشورة في تحقيق الحلم الأكبر في مسرح مفتوح وطقس أكاديمي نغني فيه جميعا أغنية الحرية.. أبارك لجميع الطلبة المشاركين وادعوهم للتخلي عن الذات الفردية والانتماء نحو تجربة المهرجان الأكاديمية بروح مشتركة ووعي جمعي يرسم للأيام صورا شعرية تبعدنا عن الألم وتقربنا من الفرح.
شهادة أقولها بإيمان مطلق، أيام المهرجان الأكاديمي في الكويت جمعتنا نحو صناعة الجمال بعيدا عن القبح فأعطتنا حياة جديدة.. إنها ذكريات الأحبة التي ستبقى عبر زمنها الإبداعي طقسا واحتفالا يوحدنا.