هناك العديد من الأفلام التي تعرف من قبل مشاهدتها أنها «One Man Show» اي عمل يتركز منذ البداية إلى النهاية على الأداء المبدع للبطل أو البطلة، وقد اعتقد الكثيرون أن فيلم «Darkest Hour» ينتمي الى هذا النوع ولكن جاء عكس ذلك.
و«Darkest Hour» من بطولة غاري أولدمان، وإخراج جو رايت الذي استطاع إخراج فيلمه من حيز «النجم الأوحد» ليقدم عملا متماسكا ممتعا، ومليئا بجماليات تمتع أي محب حقيقي للسينما.
تدور أحداث الفيلم خلال شهر واحد، منذ يوم تسلم وينستون تشرشل لمنصبه كرئيس للوزراء في مايو 1940، وهو الشهر الأكثر حسما في الحرب العالمية الثانية كما سنعرف بعد ذلك. فعلى الرغم من شكوك الملك جورج الخامس، وعدم موافقة حزب تشرشل نفسه، استطاع أن يفوز بالمنصب الذي تأخر طويلا، ويوضع بين المطرقة والسندان، فمن ناحية أغلب من حوله يدفعونه إلى الدخول في مفاوضات سلام رعبا من هتلر وبطشه بالدول المجاورة، ومن ناحية أخرى هو لا يثق سوى بغريزته التي تخبره بأن هذا السلام لا يعني سوى هزيمة منكرة مستمرة، وسقوط لإنجلترا لن تقوم بعده أبدا.
كلنا نعرف ما جرى في الحرب العالمية الثانية، وهزيمة هتلر وسقوط النازية، ودخول الولايات المتحدة في الحرب، وخارطة القوة في العالم التي تغيرت تبعا لذلك، فما الذي يجعلنا نشاهد فيلما يقدم لنا ما نعرفه، بل شاهدناه في عشرات الأفلام من قبل؟
ركز فيلم «Darkest Hour» كما قلنا على شهر واحد من عمر الحرب، وعلى قرار واحد يجب أن يأخذه البطل الرئيسي، الحرب أم السلام؟ ليكون هذا هو الصراع الأعظم الذي يوجه الفيلم ومشاهديه وليس مشكلة الحرب العالمية ولا هتلر الذي يجتاح العالم، وبالتالي لا يمكن وضعه في خانة أفلام الحرب العالمية الثانية نهائيا.
وبالإضافة للقصة المركزة للغاية، فقد كان الحوار لآنتوني ماكارتن كاتب فيلم «The Theory of Everything» ممتازا، وثريا بالدعابات الذكية واللائقة مع شخصية تشرشل الصريحة الحادة ذات التعليقات الصادمة طوال الوقت، وكذلك تم استخدامه بذكاء في إظهار جوانب شخصية تشرشل المختلفة بدون سرد جاف إلا فيما ندر، فنتعرف على علاقة وينستون الوثيقة بزوجته من خلال محادثة عادية عن مصروف المنزل، وسبب توتر علاقة الملك به سنجده في جلسة غداء عابرة، وهكذا نعرف المعلومات من خلال الحوار طوال الوقت وبطريقة سريعة، كما لو أن ذلك يحدث على الهامش فقط.
يجب أن نتحدث هنا عن رسم الشخصيات والتمثيل معا، فكل منهما أكمل الآخر بصورة سحرية، ولا يمكن أن ننكر أن الشخصية الرئيسية هي الأكثر تعقيدا على الإطلاق، فتشرشل الذي رأيناه على الشاشة لم يكن رجلا يعرف كل الإجابات، ولا واثقا من نفسه حد الغرور، بل كان شخصا له غريزة قوية، ومعرفة عسكرية، يتشكك في نفسه أحيانا كثيرة، ويحتاج للمشورة والمساعدة، تدمع عيناه خوفا عند الحاجة، وترتعش يده الممسكة بالسيجار لأنه يعلم أن مصير ملايين معلق بكلمة من لسانه، وهذا الخليط العجيب أحسن جاري أولدمان بصورة مذهلة تقديمه على الشاشة الكبيرة، فعلى الرغم من أن ملامحه مطموسة بين طبقات المكياج الكثيفة فقد كان كتلة من الإحساس المتحرك، وتحول بسلاسة بين تشرشل العجوز القلق المهتز، وذلك الساخر الحاد.
نأتي بعد ذلك للشخصيتين النسائيتين الأهم في الفيلم كلمينتين تشرشل، زوجته وشريكة حياته والتي قامت بدورها كريستين سكوت توماس، وهي زوجة داعمة ومتفهمة تعقيدات زوجها، وتقدم له الثقة عندما يحتاجها، كما تحاول كبح جماحه وتنوير بصيرته من وقت لآخر، وأحسنت توماس تقديم هذه الشخصية بالفعل، والشخصية الثانية هي لسكرتيرة تشرشل إليزابيث لايتون والتي قامت بها ليلي جيمس، وعلى الرغم من عدم وجود لايتون في هذه الفترة بحياة رئيس الوزراء بل عملت كسكرتيرته عام 1941، إلا أن وجودها كان هاما في الأحداث لأنها كانت الوسيلة التي استطاع بطلنا من خلالها الاستماع لصوت الشعب وخوفه وحيرته ليأخذ في النهاية قراره بأن يكون هذا الصوت هو دليله الأهم.
ان فيلم «Darkest Hour»هو العمل الثاني لجو رايت الذي يتناول ذات الحقبة الزمنية خلال الحرب العالمية الثانية بعد فيلمه الرائع «Atonement» إنتاج 2007، ليبدو الأمر أنه أعطانا وجهة نظر أفراد عاديين من الشعب في فيلمه السابق، وهذه المرة يأخذنا لجانب السلطة واتخاذ القرار، وظهر هذا واضحا في معركة دانكريك على الأخص، والتي كانت نقطة مفصلية في الفيلمين.
قدم رايت رؤية خاصة لشخصية تشرشل فلم يهتم بتفاصيل حياته السياسية السابقة، أو تأثير طفولته عليه، ولا حتى حياته التالية بعد الحرب سوى بجملة على خلفية سوداء بعد انتهاء الفيلم، فهو كان يرغب في تقديم صورة مقربة لهذه الشخصية الهامة في تاريخ العالم، وإظهاره بصورة إنسانية للغاية، ويبدو هذا واضحا في العديد من الكادرات للشخصية في إطارات سوداء حولها، سواء داخل الحجرة عند الحديث مع الرئيس الأميركي، أو داخل النافذة وغيرها، ليظهر الحصار الذي يشعر به طوال الوقت بين القرارين الحاسمين.
وأيضا تم استخدام الإضاءة بصورة مبهرة للغاية، لتصنع من بعض الكادرات خاصة في القصر الملكي لوحات فنية مذهلة.
في النهاية فيلم «Darkest Hour» خالف التوقعات، ليقدم لنا جو رايت عملا متكاملا مسليا وقويا ويستحق المشاهدة بالتأكيد سواء كنت تحب تشرشل أو تكرهه.