فــــي وسط دمشق وبالتحديد في شارع الثورة القريب من سوق الحميدية كان مكتب صديقنا المحترم المخرج فراس قنوت الذي كان أشبه ما يكون بمقر إقامتي طيلة اليوم سوى فترة النوم، نخطط للبرنامج من كتابة للسيناريو مع الشاعر قحطان بيرقدار الذي حاز جائزة لجنة التحكيم في الموسم الثاني من مسابقة أمير الشعراء سنة 2008، وهو الذي اقترح علي مشكورا عنوان البرنامج «خطاطون في رحاب النور» بعد أن عرض عددا من الأسماء نحو «كتاب الوحي في العصر الحديث»، «أنامل كتبت القرآن»، و«مراسم من نور».
كما قمنا بالتواصل مع خطاطي المصحف، وحجز المواعيد مع فريق التصوير ونحو ذلك، يتخلل ذلك الطعام الدمشقي اللذيذ كالمشاوي والشاورما والحمص والتبولة.
في احد صباحات دمشق الشاتية اتجهنا نحو حي مزة فيلات غربية، مقابل دار السعادة للمسنين حيث كان يسكن خطاط مصحف دبي (مصحف الشيخ مكتوم بن راشد)، جمال بوستان، الرجل الهادئ في طبعه، الوادع في تعامله، المتأمل في كلماته ونظراته الطيبة التي يعلوها شعره الأبيض الجميل.
استقبلنا في مرسمه الواقع في بادروم البناية التي يسكن فيها، تشعر بدفء المكان وحميميته، يقضي معظم وقته بين قصبات الخط العربي وبين دواة الحبر الأسود وأدوات الرسم المتعددة والورق، يحترف الخط الكوفي، بابتكاراته الجميلة لينجز تكوينات في غاية الروعة.
اللوحات الخطية والفنية تزين جدارياته، ومن ضمنها لوحة جميلة كتب فيها سيرته التي منها: في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي غادرت مقاعد الدراسة مكرها لأحمل مبكرا مسؤولية معيشة أهلي، فاحترفت الخط بمعلومات متواضعة عنه، حيث لم تتوافر لدي وسيلة تعليمية، ولا أستاذ يرشدني إليه، فكنت أستأنس مانشيتات الصحف المصرية التي كان يكتبها كبار خطاطي مصر آنذاك، إضافة إلى محاكاة عناوين مجلة «طبيبك» التي كان يكتبها بخط النستعليق خطاط بلاد الشام بدوي الديراني.
ولا أنسى تلك اللوحة التي أهداني إياها لأبي القاسم الشابي (1934) جمعت بين الشعر والفن والخط العربي في تناغم جميل:
عذبة أنت كالطفولة، كالأحلام
كاللحن، كالصباح الجديد
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء
كالورد، كابتسام الوليد
احتسينا فنجان القهوة التركية التي بدأت أدمن عليها منذ عام 2006، ريثما فريق التصوير ينهي نصب كاميراته وإضاءاته بتوجيهات من المخرج فراس قنوت، ثم بدأنا التصوير وأخذ يحلق بنا في تجربته الجميلة مع مصحف دبي الذي قضى في كتابته سنة كاملة بخط النسخ، وذلك بمعدل يقرب من ثماني ساعات يوميا، وامتد عمله عليه بين تعديل وتصحيح ومتابعة قرابة خمس سنوات ما بين 1997 و2002.
كما حدثنا عن أثر أستاذ الجغرافيا الذي كان يدرسه في الابتدائية فكان له الفضل -بعد الله تعالى- في حب الخط والرسم حيث كان يرسم على السبورة خريطة سورية، ويضع حدودها بنقاط متقطعة ولون ترابي منسجم، ويكتب البحر الأبيض المتوسط بعد أن يلونه بالأزرق المتدرج، ثم يتابع كتابة أسماء المناطق والمحافظات في لوحة فنية وجمالية مازالت محفورة في ذاكرتي.
وعن كراسة هاشم البغدادي التي كان لها أثر كبير في انطلاقته نحو الخط العربي وأوصلته لأن يكون أحد خطاطي المصحف الشريف في العصر الحديث.