تأليف القرآن
كلمة «تأليف» مصدر للفعل ألف، يقال في اللغة: ألفت بينهم، إذا جمعت بينهم بعد تفرق، وألفت الشيء تأليفا، إذا وصلت بعضه ببعض، ومنه تأليف الكتب. وقد استخدمت عبارة «تأليف القرآن» في المصادر القديمة، ويراد بها جمع وترتيب آيات السورة الواحدة، وطريقة ترتيب السور في المصحف.
وهذا الموضوع من الموضوعات التي درسها المؤلفون في علوم القرآن، لأن ترتيب الآيات والسور في المصحف لم يجر على ترتيب نزولها، ومن ثم بحث العلماء الأسس التي بني عليها هذا الترتيب، وتتناول دراسة الموضوع 3 أمور:
ترتيب الآيات في السور
قال السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن»: «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان، وأبوجعفر بن الزبير في مناسباته، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين..». وذكر السيوطي عددا من النصوص التي بنى عليها علماء الأمة إجماعهم على أن ترتيب الآيات توقيفي أي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وقف الصحابة عليه، وبينه لهم، ولم يكن باجتهادهم أو رأيهم، ننقل منها ما يوضح ذلك للقارئ:
فمنها الحديث الذي نقلناه سابقا المروي عن زيد بن ثابت، وقال فيه: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع»، وقال البيهقي معلقا عليه: «وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب، الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم». ومن النصوص الدالة على ذلك ما رواه عبدالله بن عباس، عن عثمان بن عفان، أنه قال: «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده، يقول: ضعوا هذا في السور التي يذكر فيها كذا وكذا، وينزل عليه الآيات، فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وينزل عليه الآية، فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا..».
ومن الأمور الدالة على ذلك أيضا ما ثبت من قراءته صلى الله عليه وسلم لسور عديدة من القرآن من طوال السور وغيرها، في الصلاة وخارجها، وكانت قراءته لها بمشهد من الصحابة تدل على أن ترتيب آياتها توقيفي، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على خلافه.
فكان ترتيب الآيات في سورها معروفا للصحابة ببيان النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه ذلك لهم، وقراءته للقرآن عليهم، وبذلك لم يعرف عن الصحابة أنهم اختلفوا في موضع آية من القرآن، بل كل آية قد عرف موضعها، وسبق في أخبار جمع القرآن أن زيد بن ثابت افتقد آيتين من آخر سورة التوبة، وآية من سورة الأحزاب، فلم يجدها مكتوبة في أول الأمر، وقد قال زيد في آيتي التوبة: «فألحقتها في سورتها»، وقال في آية الأحزاب: «فألحقناها في سورتها في المصحف».
ومن النصوص الثابتة التي تؤكد أن إثبات ما أثبت في المصحف وطريقة ترتيبه إنما كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه، ولم يملك الصحابة إلا الأخذ به
والمحافظة عليه، هذه الرواية التي نقلها البخاري عن عبدالله بن الزبير قال: «قلت لعثمان بن عفان: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ـ البقرة: 240) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئا منه من مكانه. فكل شيء من القرآن قد عرف مكانه، ولا يملك أحد من الصحابة، الخليفة فمن دونه، أن يغير شيئا منه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن خلط آيات السورة بغيرها، ويأمر بقراءة آيات كل سورة على نحو ما قرأها وعلمها للصحابة، ومن ذلك ما روي عن بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال بلال: أخلط الطيب بالطيب، فقال: اقرأ السورة على وجهها، أو قال على نحوها: إن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن على مسمع من أصحابه، في الصلاة وخارجها، وحثه لهم على تلاوته، وما عرف عنهم من كثرة قراءتهم للقرآن، فكان بعضهم يختمه في ثلاثة أيام، وأكثرهم يختمه في سبعة أيام، واشتهار أسماء سور القرآن بينهم، واتفاقهم على ما تتضمنه من آيات، دليل أكيد على أن ترتيب الآيات في سورها كان بأمره صلى الله عليه وسلم وتعليمه للصحابة، «فالأمر الذي لا ريبة فيه أن الآيات قد جمعت سورا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتوقيفه».
وسنتناول ترتيب السور في المصحف، وترتيب القرآن حسب النزول في الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى.