في الآية السادسة من سورة الروم نقرأ ما يلي: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (30/6) ونفهم منها ما يلي:
لو «علم» أكثر الناس «لعرفوا» أن الله لا يخلف وعده. ومثال على ذلك «هذا» الوعد الإلهي. مثال حي معاش في زمن التنزيل لا يحتاج، لاستخلاص الدرس منه، إلا إلى قراءة التاريخ الحي القريب. وتقدم الآيات الأربع السابقة في السياق ذاته «وقائع تاريخية» تشكل بذاتها ملامح هذا الإنباء «بوقائع مشهودة وغيب تاريخيين» قدمت مثالا من وعد إلهي متحقق في امتداد تلك الوقائع المشهودة.
لنقرأ الآيات الخمس في سياقها المتتابع:
(غلبت الروم (30/2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (30/3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (30/4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (30/5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30/6)
غلبت الروم... في معركة مشهودة، عرفت من أخبارها العرب، وقعت قبل نزول الآيات بثمانية أعوام. يخبرنا التاريخ عنها: فقد حققت الإمبراطورية الفارسية الساسانية بقيادة شهرباراز، قائد جيش الامبراطور خسرو الثاني، انتصارا ساحقا على الإمبراطورية الرومانية الشرقية بقيادة هرقل في أرض سورية الكبرى في عام 613 للميلاد.
متى نزلت الآيات؟
في تزامن مع بيعة «الرضوان» بعد إبرام صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة النبوية، أي في عام 621 للميلاد.
يذهب أيمن عبدالعزيز جبر في كتاب «تفسير روائع البيان لمعاني القرآن» إلى تحديد سبب نزول الآيات مستعينا بكتاب «أسباب النزول» للنيسابوري ما نقل عن ابن شهاب قوله: «كان المشركون يجادلون المسلمين وهم بمكة قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: الروم يشهدون أنهم أهل الكتاب، وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل على نبيكم، فكيف غلب المجوس الروم وهم أهل كتاب، فسنغلبكم كما غلب فارس الروم».
من هنا كان نصر الروم... وعد الله... للمؤمنين بأن الروم... من بعد غلبهم سيغلبون (30/3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (30/4) بنصر الله.
أطول صراع عسكري
دام الصراع بين الرومان والفرس 721 عاما فيما اعتبره المؤرخون أطول صراع عسكري في تاريخ الإنسان.
...في أدنى الأرض... أي في أكثر مناطق كوكب الأرض انخفاضا فيما يعرف اليوم بغور الأردن الذي يشمل أغوار وادي عربة والبحر الميت. وكانت المنطقة جزءا مما يعرفه المؤرخون بسورية الكبرى. وهي المنطقة التي طالما شهدت الصراع بين أقوى قوتين آنذاك: الإمبراطورية الرومانية الشرقية المعروفة بالبيزنطية وهي التي استقرت في آسيا الصغرى في القرن الخامس للميلاد بعد تفتت الإمبراطورية الرومانية الكبرى واستمرت بيزنطة 1000 عام أخرى قبل أن تسقط في قبضة المسلمين العثمانيين في عام 1453.
ثم الإمبراطورية الساسانية الفارسية التي تأسست عام 224 للميلاد وبلغت من القوة شأوا بعيدا فبسطت سيطرتها على سواحل الخليج العربية والعراق والشام الكبير وأجزاء من آسيا الصغرى ومصر واستمرت قوية إلى أن تم انهيارها بأيدي المسلمين العرب في عام 651. وهم من بعد غلبهم سيغلبون... هذا إنباء بغيب واقع حتما في المستقبل... في بضع سنين... و... بضع... في اللغة تبدأ من رقم ثلاثة وحتى تسعة. أي أن هذا الوعد المتحقق سيفرح المؤمنين لأن أهل الكتاب سينتصرون لا محالة على عبدة الأوثان. والوعد المتحقق في بضع سنين ليس غيبا مطلقا ولكنه غيب نسبي مرهون زمنيا ببضع سنين فحسب يتحول بعدها إلى حقائق مشهودة. وقد كان هذا الإخبار القرآني بغيب تاريخي وجها من أوجه إعجازه، حين انتصر الروم، وبشكل نهائي، بقيادة هرقل على جيوش خسرو الفارسي انتصارا أنهى الصراع بين الإمبراطوريتين خلال عامي 627 - 628 للميلاد، وذلك بعد نزول الآيات بسبع سنين.
في أدنى الأرض
...في أدنى الأرض... أي في أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا، وهو غور البحر الميت الذي يمتد طوله مع وادي عربة إلى حوالي 600 كيلومتر من خليج العقبة في الجنوب إلى بحرية طبرية في الشمال بعرض يتراوح بين 10 و20 كيلومترا. ويصل منسوب سطح الماء في البحر الميت إلى حوالي 400 متر تحت متوسط منسوب المياه في البحرين المجاورين، البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، بينما يهبط منسوب أعمق نقاط قاع البحر الميت، وهو بحيرة مغلقة يعتبرها علماء الأرض جزءا من اليابسة - يهبط إلى 794 مترا تحت مستوى سطح البحر.
وهذا أخفض منسوب أرضي على سطح اليابسة كلها.
وهذه إشارة «علمية خالصة»، بالإضافة إلى الإشارة «التاريخية» في الآيات، لم يكن أحد يعلمها في زمن التنزيل ولا حتى بعد مضي أكثر من 1200 عام على نزول القرآن.
حقا...
(ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (12/111) (جزء من الآية 111 من سورة يوسف).