تخيم سحابة من الغموض على مصير الاتفاق النووي الإيراني، خصوصا مع اقتراب الموعد النهائي 12 مايو الجاري الذي حدده الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتقرير البقاء في الاتفاقية أو الخروج منها... وخارطة المواقف عشية القرار الأميركي، يمكن تلخيصها كالتالي:
١ ـ لا مؤشرات أميركية تدل على نجاح المساعي الأوروبية لثني واشنطن عن الانقلاب على الاتفاق في ١٢ مايو الجاري. الرئيس ترامب متمسك بإدخال تعديلات على الاتفاق النووي، وإذا لم يحصل ذلك، فإنه سيعلن انسحابه من الاتفاق.
ولكن ثمة تباينا في موقف الجمهوريين في الكونغرس الأميركي حيال موقف ترامب الانسحاب من الاتفاقية، بين معارض ومؤيد: المعارضون يعتبرون أن الانسحاب من الاتفاقية فكرة سيئة لأنها صفقة متعددة الأطراف، ولأنه سيؤدي إلى تسريع إيران لعجلة تطوير سلاح نووي.
كما أن هذه الخطوة ستبعد حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين، وتجعل من الصعب على ترامب التفاوض على صفقة نووية مع كوريا الشمالية، حيث سيكون لديها سبب للاعتقاد بأن الولايات المتحدة لن تلتزم بالشروط بعد الاتفاق.
واقترح هؤلاء بدلا من الانسحاب من الاتفاقية التفاوض على اتفاقية أخرى تشمل الصواريخ الباليستية... أما المؤيدون للانسحاب، فيعتبرون أن الصفقة الحالية لا تتعامل مع الدعم الإيراني للجماعات الإرهابية ولا برنامج الصواريخ الباليستية، بل تتعامل فقط مع البرنامج النووي.
لذلك هم يؤيدون إنهاء الاتفاقية النووية لأنها تعطي إيران الشيعية أفضلية على خصومها من الدول السنية في المنطقة، والذين هم حلفاء لأميركا.
واشنطن تراهن على ضعف موقف طهران التي لم توقع على اتفاق ٢٠١٥ إلا تحت ضغوط العقوبات الاقتصادية. لذا، تعتبر أن طهران بحاجة لاتفاق ما مع القوى الكبرى، وأنها على رغم لهجة التهديد التي يستخدمها قادتها، فإن ذلك ليس سوى من باب رفع سقف التفاوض، وبالتالي فإن المسؤولين في طهران لن يكون أمامهم سوى قبول الدخول في مفاوضات جديدة من أجل اتفاق جديد مخافة التعرض مجددا لسيف العقوبات بما ستحمله من تدهور الأوضاع الاقتصادية للبلاد واشتداد الأزمات الاجتماعية المتفاقمة أصلا، مع ما سيرافقها من توتر سياسي وصراعات بين الأجنحة.
٢ ـ المواقف الأوروبية، وعلى رغم أنها بدت ملتبسة، فإنها تتقاطع جميعها عند تجنيب الاتفاق الانهيار، ومحاولة كسب موقف ترامب نحو مزيد من التفاوض والتريث، بما يفسح المجال أمام تدارس الخيارات البديلة. رغبة أوروبا في حماية الاتفاق تنبع من حسابات اقتصادية وسياسية، ومنها الخوف من أن يؤدي تمزيق الاتفاق إلى زيادة التوترات الإقليمية وإطلاق العنان لقدرات إيران النووية.
الأوروبيون يؤكدون أن الاتفاق مع إيران جيد ولا مجال لإعادة التفاوض عليه، لكن من المتوقع أن يبدأ الاتحاد الأوروبي ممارسة الضغط على برنامج الصواريخ الباليستية لإيران ودورها المزعزع للاستقرار في المنطقة.
كلما اقترب موعد مراجعة ترامب للاتفاق، تصاعد التوتر على خط طهران- باريس- واشنطن. الوسيط الفرنسي، لم يسجل بعد أي نجاح في جلب الإيرانيين إلى طاولة التفاوض على ملفي الصواريخ الباليستية والدور الإيراني المزعزع في الشرق الأوسط، وآخر فشل له تمثل في اتصال ماكرون- روحاني، حين سمع الأول من الثاني رفضا رسميا لأي تفاوض على الاتفاق. لم يصرح الثلاثي الغربي بتأييده قرار ترامب تمزيق الاتفاق، لكن توافقه على مشروع التفاوض على اتفاق جديد وإعداد عقوبات إضافية، ينطوي، عمليا، على تسليم بخريطة طريق ترامب، ولو من دون تبني سقف مواقفه، كون طهران أكدت على لسان أكثر من مسؤول أنها لن تبقى في اتفاق لا يعود عليها بالنفع، فضلا عن انسحابها من الاتفاق حال انسحاب ترامب.
٣- إيران مصرة على رفض إجراء أي مفاوضات جديدة بشأن الاتفاق المبرم. وأعلنت عن أن نص الاتفاق النووي الحالي، والمعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، لا يمكن أن يخضع للتغيير ولا حتى بكلمة واحدة.
فإما أن يبقى الاتفاق بنصه الحالي أو يذهب أدراج الرياح.
وأعلنت أن أي اتفاق بين أوروبا وأميركا حول مستقبل الاتفاق النووي وبرنامج إيران النووي بعد نهاية فترة القيود التي ينص عليها الاتفاق لا قيمة لها، مؤكدة أن إعادة التفاوض حول أنشطة إيران النووية تعني نهاية الاتفاق النووي، مشيرة الى أن احتمال خروج أميركا من الاتفاق أصبح قويا، خصوصا بعد التغييرات التي لحقت بأفراد في الإدارة الأميركية مؤخرا، مرجحة أن تقف الدول الأوروبية مع واشنطن، لأن ذلك يتناسب مع مصالحها.
وتحذر إيران، المهتمة بالعقوبات المصرفية في المقام الأول، من أنه من دون المزايا الاقتصادية، فإنه لا يوجد مبرر للبقاء في الاتفاق. ورغم أنه تم رفع جميع العقوبات الاقتصادية يناير من عام ٢٠١٦، فإن المصارف الأوروبية، التي تخشى من عقوبات أميركية، ترفض تمويل المشروعات الغربية مع إيران.
٤- إسرائيل، حدد موقفها من الملف النووي الإيراني رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي كشف فيه عن أدلة قاطعة بشأن برنامج سري نووي لدى إيران، وقدم أمثلة أخرى عن مشروع «آماد»، قائلا إن «منشآت تخصيب اليورانيوم أنشأتها إيران تحت الجبال، وهي لا تعمل لإنتاج الأدوية، إنما لإنتاج الأسلحة النووية. والوثائق تظهر أن الأماكن صممت لتخزين الأسلحة النووية، كجزء من مشروع (آماد)».
واستنتج نتنياهو في النهاية أن إيران فضلا عن الكذب حول الشق العسكري في برنامجها النووي، واصلت الحفاظ والتوسع في الخبرة لاستخدام تلك التكنولوجيا السرية في المستقبل. وفي الاستنتاج الثالث، قال إنها «كذبت على الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول حقيقة مشروعها النووي».
٥- روسيا ازاء الاندفاعة الأميركية والتخبط الأوروبي، واصلت حملة قوية على البلدان الغربية محذرة من التداعيات الكارثية للإخلال بالاتفاق النووي مع طهران، ومعربة عن القلق بسبب «تبدل مواقف ألمانيا وبريطانيا وفرنسا حيال الملف النووي الإيراني»، وقال ان «التطورات الجارية في مواقف البلدان الثلاثة تهدد باندلاع أزمة كبرى جديدة في منطقة الشرق الأوسط».
وسط كل ذلك الغموض، تبرز ستة سيناريوهات محتملة حول مصير الاتفاق في ضوء استراتيجية ترامب لتصحيحه أو إفشاله:
١ ـ موافقة أوروبا على مطالب ترامب فرض عقوبات جديدة على إيران على خلفية أنشطتها الإقليمية وبرنامج الصواريخ الباليستية الخاص بها.
٢ ـ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، لكن من دون عرقلة الصفقات التجارية الأوروبية مع إيران من خلال عقوبات ثانوية أو عقوبات خارج حدود الدولة.
٣ ـ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة وإعادة فرضه لجميع العقوبات النووية الأميركية بما فيها العقوبات الثانوية التي تستهدف التجارة الدولية مع إيران.
٤ ـ انهيار الاتفاق بعد انسحاب أحادي للولايات المتحدة، بينما تبقى فيه موقتا إيران والدول الأوروبية، بالإضافة إلى روسيا والصين.
٥ ـ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة وسعيه وراء تطبيق أجندة ممارسة الضغط الأقصى على إيران بما يشمله ذلك من التمهيد للحرب.
٦ ـ أن تقنع أوروبا ترامب بأن يطبق بشكل كامل خطة العمل الشاملة المشتركة مقابل قيام القوى الأوروبية، وربما الولايات المتحدة والصين وروسيا، بإشراك إيران في مفاوضات جدية حول النزاعات الإقليمية.
يتمتع هذا السيناريو بحظوظ جيدة، وإلا واجه النظام الإيراني عقوبات جماعية من هذه الدول، حتى لو اعترضت روسيا والصين المنخرطتين في الاتفاقية النووية على ذلك، باعتبار أن هذا التفاوض سيكون خارج إطار الاتفاقية.
ويحمل هذا السيناريو احتمال إيجاد حلول سياسية للأزمات الإقليمية التي ستعالج اتهامات ترامب للمخططات الإيرانية في المنطقة، كما سيتيح التقدم في جهود البناء على خطة العمل المشتركة وإنشاء منطقة إقليمية خالية من الأسلحة النووية رسميا.