- إيران تقاتل لجمع شتات اللوائح الشيعية ضمن «قائمة الفتح» بزعامة العامري وضم المالكي في مواجهة تحالف العبادي مع التيار الصدري المتحالف مع «الشيوعي»
- تحالف «سائرون» يجمع المتناقضات الفكرية والسياسية بين الراديكالية الشيعية ممثلة بالتيار الصدري واليسار الشيوعي والتوجه العلماني والليبرالي
أوجه شبه كثيرة بين انتخابات لبنان التي جرت قبل أيام وانتخابات العراق التي تجري اليوم: البلدان يشهدان انتخابات مهمة «مفصلية» وسط انقسامات سياسية وطائفية وتوازنات دقيقة، وفي ظل أوضاع هشة وتحولات اقتصادية وتحديات داخلية وضغوط خارجية.. البلدان يقعان في خارطة الصراع الإيراني ـ الأميركي وإن بأشكال وأحجام متفاوتة ومختلفة.
البلدان يكملان عملية النهوض وتصفية رواسب الحرب ويسلكان المسار السياسي الديموقراطي في إنتاج السلطة وتداولها، ولكن من دون نتائج باهرة وتغييرات جذرية.
تشكل الانتخابات العراقية البرلمانية اليوم حدثا مفصليا للعراق والمنطقة، لأنها ستعيد رسم العراق وتشكيل هويته السياسية مستقبلا، وستحدد شكل الحكم ونوعية السلطة إن كانت دينية أم مدنية.
هذه الانتخابات تجري في ظل «تحديات متغيرات عميقة» اجتاحت العراق، بعد مخاض عسير عاشه هذا البلد خلال الأعوام الأربعة الماضية أسفر عن تبدلات سياسية وتحولات اجتماعية وتغيرات اقتصادية لا يمكن الاستهانة بها.
وهذا المخاض بدأ مع بروز مفاجئ لـ «داعش».
وانتهى العام الماضي مع نهاية «داعش»، والذي تخلله صعود «الحشد الشعبي» وانتكاس «المشروع الكردي» إثر الاستفتاء الفاشل على الاستقلال.
الساحة السياسية العراقية لاتزال أسيرة لاستقطاب طائفي وقومي: سني ـ شيعي ـ كردي، على الرغم من تطعيم كل من التحالفات نفسها بوجوه مغايرة لهويته.
وما جرى الحديث عنه خلال الأعوام الأربعة الماضية من تفاهمات وطنية عابرة للعرقية والمذهبية سقط، وبرز بشكل لا لبس فيه أن التناقضات في العراق ما زالت قائمة على أسس طائفية وعرقية ومناطقية وحزبية وجهوية، حيث المنافسة على السلطة محصورة بين ثلاثة تيارات شيعية هي تيار «نصر العراق» الذي يقوده حيدر العبادي، وقائمة «دولة القانون» التي يترأسها نوري المالكي، وتجمع «فتح» الذي يشكل مظلة سياسية للعشرات من فصائل «الحشد الشعبي» بقيادة زعيم منظمة «بدر» هادي العامري.
في المشهد السني، يبدو أن محنة التشظي ما زالت مرافقة للأحزاب والقوى السنية، وان أخذ بعضها قرارا حاسما بالانضواء تحت لواء علاوي مجددا تحت وطأة المزاج الشعبي الذاهب نحو تيارات مدنية وليبرالية امتعاضا من الأحزاب الإسلامية، ويتمحور التنافس بين هذه القوى على المحافظات السنية.
وسجل بروز ظاهرة جديدة تمثلت في الانسجام النادر بين بعض التحالفات الانتخابية، وخصوصا تحالف «سائرون»، الذي يضم أحزابا وتيارات متناقضة فكريا وسياسيا، توزعت بين الراديكالية الشيعية (التيار الصدري) واليسار الشيوعي والتوجه العلماني والليبرالي، فضلا عن العشائرية.
وهذا الأمر أثار انزعاج مراجع دينية كبيرة لم تخف خشيتها من طغيان الطابع الليبرالي على المسار الإسلامي الذي يمثل عنوانا لمرحلة السلطة في العراق منذ العام 2003.
ويهدف تحالف «سائرون» إلى إيجاد أرضية مشتركة للخروج من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، والخروج من إطار المحاصصة المذهبية والعرقية، وبناء مدنية بعيدة عن الطابع الإسلامي الحالي على الرغم من الصعوبات التي تعترضها.
في إقليم كردستان، اتخذت الحملات الانتخابية في مدينة كركوك وضواحيها، والسليمانية ثاني كبرى مدن إقليم كردستان، طابع تصفية الحساب مع حزبي السلطة الرئيسيين (الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني)، اللذين يتحملان مسؤولية كل الإخفاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يعاني منها إقليم كردستان بعد استفتاء الانفصال الذي خاضته في سبتمبر الماضي، وتتهمهما بالاستحواذ على مقدرات شعب كردستان وثرواته، وكبت الحريات والتسبب في تقهقر قوات البيشمركة في المناطق المسماة دستوريا بالمتنازع عليها، وتمزيق البيت الكردي من الداخل على نحو لم يعد بالإمكان إعادة ترتيبه ثانية في ظل الانقسام الحاد بين القوى والأحزاب الكردية.
(يبلغ عدد النواب الأكراد في البرلمان العراقي 60 نائبا من أصل 328 وهم مثلوا على مدى 15 عاما عامل استقرار وبيضة القبان في التوازنات والمعادلات الداخلية). انتخابات 2018 قد تتيح للقوى القريبة من إيران وخصوصا «قائمة الفتح» (بزعامة رئيس منظمة «بدر» النائب هادي العامري) تحقيق رغبة طهران في تولي أحد أصدقائها رئاسة الحكومة المقبلة، وهذا احتمال وارد، وإيران تقاتل لذلك بالعامري، أو أبو مهدي المهندس (نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي) أو بغيرهما، خصوصا أنها تمتلك بنية تحتية «ميليشيوية» في كل وزارات الدولة الأمنية والمدنية وخارجها، لكن إذا عجز البيت الشيعي عن تشكيل الكتلة الأكبر، فعندها قد تكون كل الكتل خاضعة لضغوط تطورات الملف السياسي العراقي وتطورات الملف السوري.
ولن تألو إيران جهدا في لملمة شتات اللوائح الانتخابية الشيعية في مرحلة ما بعد نتائج الانتخابات، وتشكيل تحالف واسع يضمن مواجهة الطموح المتصاعد لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي يسعى لشغل المنصب مجددا مدعوما من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر المتحالف مع الحزب الشيوعي، الذي تسعى إيران لإضعافه بسبب عدم انسجامه مع الرؤية الإيرانية للأوضاع في العراق والمنطقة.
ولا تخفي طهران رغبتها في عدم التجديد للعبادي لولاية ثانية على الرغم من أنه أجاد اللعب على التوازنات الإقليمية والدولية ونسج علاقة إيجابية مع واشنطن وعواصم عربية، وهو ما يثير حنق القيادة الإيرانية التي تفضل إيجاد قاعدة سياسية عريضة تجمع أصدقاءها ضمن لائحة «الفتح» بزعامة العامري، وتضم قادة فصائل مسلحة في «الحشد الشعبي» ولائحة «ائتلاف دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، فضلا عن لوائح وشخصيات شيعية وسنية وكردية صغيرة للحصول على منصب رئاسة الحكومة العراقية، من دون إغفال إمكانية قبول طهران المعروفة ببراغماتيتها، بأقل الأضرار في حال إجهاض تحركاتها، وهو بقاء العبادي في منصبه إلى حين، ما دام لا يتعارض بشكل تام مع مصالح إيران العليا في المنطقة.
في كل الأحوال، سيدخل مستقبل العملية السياسية العراقية في نفق مظلم، لأن أجندة فريق ترامب الجديد لن تسمح بأن تقود إيران العراق وفق رغبتها وعلى هواها.
وإعلان إدارة ترامب تهديدات بخصوص فسخ الاتفاق المبرم بين واشنطن وطهران بخصوص الملف النووي الإيراني، هو أحد مؤشرات احتمال تفاقم الصراع بين الجانبين.