القس الإنجيلي الأميركي أندرو برانسون يشكل محور الأزمة والعاصفة الديبلوماسية التي تضرب العلاقات الأميركية ـ التركية. هذا القس (الكاهن) الأميركي كانت السلطات التركية اعتقلته في مدينة إزمير في العام 2016 على خلفية اتهامات تتعلق بالإرهاب والتجسس، وبعد اعتقاله لأكثر من عام ونصف العام وضع في الإقامة الجبرية الشهر الماضي، ورفضت تركيا طلبات والتماسات أميركية لإطلاقه، ما أدى الى توتر وتدهور غير مسبوق في حدته وسرعته بين البلدين كان له أبلغ الأثر على الوضع الاقتصادي والمالي، وعلى قيمة الليرة في تركيا.
عندما وقعت عينا القس الإنجيلي الأميركي أندرو برانسون على إخطار الاستدعاء من الشرطة على باب منزله أواخر صيف 2016، اعتقد أنه لقاء عادي لحل مشكلة أوراق إقامته في تركيا التي يعيش فيها منذ قرابة ربع قرن. وعندما توجه إلى مركز الشرطة في 7 اكتوبر 2016، تم احتجازه ووجهت إليه تهمة الضلوع بمحاولة انقلاب.
وكان برانسون يعيش ويمارس نشاطه التبشيري في إزمير، المدينة التركية الواقعة على ساحل بحر إيجه، بالقرب من بعض من التجمعات العمرانية الأولى في تاريخ الديانة المسيحية.
وفي يوليو الماضي، وبعد قضاء نحو عامين في السجن، تم نقل برانسون إلى الإقامة الجبرية. ورفضت محكمة استئناف الأسبوع الماضي إطلاق سراحه، وقالت ان عملية جمع الأدلة لا تزال جارية، وان من المحتمل أن يفر من البلاد، وذلك وفقا لما ورد في نسخة من قرار المحكمة.
تم سجنه في مركز احتجاز لمدة شهرين، قبل القبض عليه رسميا في 9 ديسمبر 2016، وتبين قائمة اتهامات أن السلطات وجهت إليه تهمة ارتكاب جرائم لحساب حزب العمال الكردستاني ولحساب شبكة غولن. كما اتهمت السلطات برانسون بالكشف عن معلومات تخص الدولة «على سبيل التجسس السياسي أو العسكري». ونفى برانسون كل الاتهامات الموجهة إليه.
ويتضح من قائمة الاتهام ومقابلات مع محاميه وثلاث من جلسات المحاكمة، أن الاتهامات الموجهة إلى برانسون تتركز حول دعم الأكراد الانفصاليين، وإجراء اتصالات مع من تقول السلطات انهم دبروا الانقلاب الفاشل.
وقال برانسون للقاضي في أولى جلسات المحاكمة في ابريل الماضي: جئت إلى تركيا عام 1993، لأحكي للناس عن المسيح». كان يرتدي بذلة سوداء وقميصا أبيض، ويتحدث بطلاقة باللغة التركية، متجاهلا المترجمين الذين كلفتهما المحكمة بترجمة أقواله. وأضاف برانسون «لم أفعل شيئا في الخفاء قط خلال وجودي في تركيا. كانت الحكومة تراقبنا طوال الوقت، لكني لم أفعل شيئا ضد تركيا».
فرد القاضي عليه قائلا إنه لا يحاكم للقيام بأنشطة تبشيرية، بل عن الاتهامات الموجهة إليه. وتساءل ممثلو الادعاء عن سبب سفره مئات الأميال من كنيسته على الساحل الغربي في تركيا إلى الجنوب الشرقي الذي يغلب عليه الأكراد، وينشط فيه حزب العمال الكردستاني.
ورد برانسون أن رحلاته إلى المناطق الكردية كانت تهدف إلى مساعدة اللاجئين الهاربين من الحرب في سورية.
وأضاف: «أنا لا أقبل ما يقال بأني تصرفت بما يتفق مع أهداف حزب العمال الكردستاني.. كنا نريد تنصير اللاجئين السوريين القادمين إلى إزمير. فأنا لا أفرق بين هوياتهم العرقية».
وفي قمة عقدها حلف شمال الأطلسي في بروكسل الشهر الماضي، بحث دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان قضية برانسون. وقال مصدران أميركيان ان ترامب اعتقد أنه اتفق ونظيره التركي على صفقة لإطلاق سراح القس الأميركي. لكن تركيا نفت ذلك.
وكان أردوغان طلب مساعدة أميركية بإقناع السلطات الإسرائيلية بالافراج عن تركية كانت محتجزة في إسرائيل بتهمة وجود صلات بينها وبين حركة حماس. وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض انه كان من المنتظر أن تطلق أنقره في المقابل سراح برانسون.
وقامت إسرائيل بترحيل المعتقلة التركية إبرو أوزكان في 15 يوليو الماضي، وأكدت فيما بعد أن ترامب طلب إخلاء سبيلها. ونفت أنقرة أنها وافقت على إطلاق سراح برانسون في المقابل.
وقال المسؤول الأميركي ان واشنطن اعتبرت إخراج برانسون من السجن إلى الإقامة الجبرية بعد ذلك بعشرة أيام مقابلا ضئيلا جاء متأخرا، «ولم تسر على ما يرام» مكالمة هاتفية بين ترامب وأردوغان في 26 يوليو الماضي.
وبعد ساعات، أعلن ترامب فرض عقوبات على اثنين من وزراء الحكومة التركية. وقال للصحافيين في البيت الأبيض الجمعة الماضية، في إشارة إلى برانسون، «كان يجب أن يسلموه لنا منذ فترة طويلة. تركيا تصرفت برأيي، بطريقة سيئة جدا جدا». وقال إن تركيا «لم تكن صديقة وفية». وكتب في تغريدة على «تويتر» أن «تركيا استغلت الولايات المتحدة لسنوات. إنهم يحتجزون قسنا المسيحي الرائع الذي سأطلب منه الآن أن يمثل بلدنا كرهينة وطني». وأكد ترامب «لن ندفع شيئا لقاء الإفراج عن رجل بريء». ووصف نائب الرئيس الأميركي مايك بنس المسيحي الإنجيلي مثل برانسون القس بأنه «ضحية اضطهاد ديني» في تركيا ذات الغالبية المسلمة.
أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فربط إطلاق سراح برانسون بمصير فتح الله غولن، الداعية الإسلامي التركي الذي يعيش في الولايات المتحدة، ويتهمه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب التي وقعت في يوليو 2016، ورد أردوغان بزيادة الرسوم الجمركية على ما تستورده بلاده من الولايات المتحدة من سيارات ومشروبات كحولية وتبغ. وكان قد قال في خطاب ألقاه في سبتمبر الماضي، لضباط الشرطة في أنقره موجها حديثه إلى واشنطن، «أنتم أيضا لديكم قس (غولن). سلموه لنا.. ثم نحاكمه (برانسون) ونسلمه لكم». ورفضت واشنطن هذا الاقتراح.
ودفع تدهور العلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي بقضية برانسون إلى صدارة المسرح الدولي وجعل القس الأميركي البالغ من العمر 50 عاما محور اهتمام غير متوقع في أزمة العملة التي هزت الأسواق الناشئة على المستوى العالمي.