في الفصل الدراسي السابق، جمعني مقرران من مقررات اللغة العربية بطالبة أثارت فضولي، كانت كتائهة ضلت الطريق، لا تدري من أين تبدأ وأين تنتهي، تجتهد في كتابة كل معلومة يمكنها التقاطها، لكنها في الحقيقة ليست إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه!
لم أستطع كبح جماح فضولي، فاستوقفتها ذات مرة لأسألها عن سبب هذا التوهان وهذه الحيرة! فأجابت دون تردد، وكأن إجابتها كانت تنتظر سائلا: كنت في كلية العلوم ولم يكن أمامي سبيل للفرار منها إلا إلى تخصص اللغة العربية، هذا التخصص الذي لا أجد نفسي فيه ولا أحبه، لكنه التخصص الوحيد الذي يقبل معدلي المتدني!
قالت الطالبة ذلك دون اكتراث لحبي للغتي، وافترقنا بعد حوار سريع دار بيننا وأنا أحدث نفسي: ما أقل ثمنك يا تخصصي العزيز في نفوسهم! وما أنفسك وأغلاك في قلبي!
لم تكن تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها مثل هذا الكلام، والسؤال الذي طرحته على نفسي: هل أصبح تخصص اللغة العربية ملجأ للفارين من كلية العلوم أو غيرها من الكليات، ليجدوا فيه أخف الضررين؟!
وليت الأمر توقف على كون تخصص اللغة العربية ملجأ، بل أصبح كذلك منفى لكل من خذله معدله في أن يقبل في التخصص الذي يرغب فيه، فيتم قبول الطالب في تخصص اللغة العربية بحجة إعادة التوازن بين جميع التخصصات ومنعا للتكدس في تخصص دون آخر. يحدث هذا دون اعتبار لضعف مخرجات الطلبة الذين أكرهوا على تخصص اللغة العربية، فأصبح حالهم مثل تلك الطالبة التائهة، يتعلقون بأي قشة في سبيل الخلاص من مقررات التخصص سواء عقلوها أم لم يعقلوها. والمؤسف، أن هذه المخرجات لم يوفر لها مقرر واضح يركز على تحسين مهارة الكتابة الإملائية الصحيحة على الأقل، مع العلم أن شريحة كبيرة من هؤلاء هم من سيتولون مسؤولية تعليم الأجيال القادمة!
أنا هنا لست بصدد عرض الإشكالية على أهل الحل والعقد، أو اقتراح حلول هي بلا شك لا تخفى عليهم، لكنني هنا أتوجه إلى زملائي وزميلاتي من طلاب وطالبات تخصص اللغة العربية، وكلي أمل أن يسمع صوتي الخافت فيستجاب لي.
أقول لهم: لقد أنيطت بأعناقكم هذه الأمانة، واصطفاكم الله لحمل مسؤولية لغتكم الجريحة، والتي رغم جراحها ما زالت تتألق جمالا وهيبة وحق لها خلود هذا الجمال وتلك الهيبة، وهي التي أنزل بها أحسن الحديث وأصدق الكلم، القرآن الكريم.
شيدوا لهذه اللغة العظيمة في أعماقكم صرحا من الحب والتعايش، فلا يحسن بكم أن تفنوا زهرة شبابكم، وعنفوان همتكم وكأنكم في إقامة جبرية تقاسون فيها مرارة الغربة والوحشة!
تعلقوا بها علما وفهما وبحثا وتدريبا، ليتبدل ضعفكم فيها إلى قوة وتمكن، حينها سيتجلى لكم رونقها الذي لن تملوا منه ولن تكلّوا.
أنزلوها منزلها الذي تستحق، ولكم في عزيز مصر عبرة، اشترى يوسف بثمن بخس دراهم معدودة فلما عرفت قيمته ووضع في المكانة التي ينبغي أن يكون عليها، كان سببا في الحياة الكريمة لمصر بأكملها.
زملائي وزميلاتي، إن لم نستطع حمل هذه الأمانة، ويئست محاولاتنا منها، وضعفت عزيمتنا، وماتت همتنا، فكأني بلسان حال اللغة العربية وهي تقول لنا: «وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون».