يقدم فيلم «The Girl in the Spider’s Web» مغامرة غنية ومليئة بالإثارة لشخصية ليزبيث سالاندر، والتي تضعها في المقدمة مع وضع الصحافي ميكايل بلومكفيست في المقعد الخلفي، ويقدم لنا الفيلم عدوا مثيرا للاهتمام على هيئة شقيقة ليزبيث نفسها كاميليا، التي تعكس صورتها بطريقة ما، على الرغم من أنه يفضل إبقاء تركيزه بشكل أكبر على مشاهد الاكشن والتشويق بدلا من السماح للأختين سالاندر بالظهور على الشاشة سوية لوقت طويل.
مع الأداء المتميز والرائع للممثلة كلير فوي بدور المخترقة المنتقمة ليزبيث سالاندر، يمكن القول بأن فيلم «The Girl in the Spider’s Web» هو الأكثر قربا من المشاهدين بين سلسلة «Dragon Tattoo» فهو أكثر طاقة وحيوية من فيلم ديفيد فينشر «The Girl With The Dragon Tattoo» الذي صدر العام 2011، ويتجنب الجوانب المملة والدنيوية في السلسلة لصالح حبكة مليئة بالاثارة، وبالتالي يكون «The Girl in the Spider’s Web» متطابقا بشكل أكبر مع الثلاثية السويدية الأصلية، وهذا بحد ذاته أكثر «هوليوودية» بعدة طرق من تصور فينشر الأكثر صرامة.
في هذا الفيلم تكون ليزبيث هاربة بعد فشل عملية لتجد نفسها على الجانب الخاطئ مقابل عميل وكالة الأمن القومي إيد نيدهام (لايكيث ستانفيلد) والسلطات السويدية، لكن خصمها الحقيقي هو أختها نفسها، كاميليا سالاندر (التي تلعب دور سيلفيا في Blade Runner 2049)، وتعود خطايا الماضي لتطارد ليزبيث، والتي تعاني في الأصل من الكثير من صدمات الماضي، ما يجعل هذه المعركة بالتحديد تحمل طابعا شخصيا بالنسبة إليها.
وما يميز «The Girl in the Spider’s Web» ـ المقتبس عن رواية ديفيد لاغيركرانتز الكتاب الأول من السلسلة بعد وفاة المبتكر ستيج لارسون ـ عن بقية الأفلام هو أنه يجعل الفتاة القوة الدافعة للقصة، حيث يضع هذا الجزء الصحافي الطموح ميكايل بلومكفيست (سفيرير غادناسن) والذي كان القناة مع الجمهور في الثلاثية الأصلية وفيلم «فينشر» في الدرجة الثانية، وذلك لصالح الفتاة صاحبة وشم التنين ليزبيث، وفي حين لا يزال لدى ميكايل دورا يلعبه، إلا أنه دور وظيفي في خدمة مهمة ليزبيث.
لطالما كانت ليزبيث الشخصية الأكثر عمقا وإثارة للفضول على أي حال، وإنه لمن الرائع بعد 4 أفلام أن نرى تركيزا أكبر من ذي قبل على شخصيتها في الحبكة، وقد يقول البعض إن وجود ميكايل في «Spider’s Web» لا حاجة له على الإطلاق، على اعتبار أن المعلومات التي يساعد ليزبيث على اكتشافها هي أشياء ينتهي بها المطاف في مواجهتها بنفسها، لكن نعتقد أن عدم وجود ميكايل في الفيلم سيكون غريبا على المعجبين بنفس مقدار غرابة عدم وجود لويس لاين في فيلم «Superman» مثلا، ولسوء الحظ لا يوجد الكثير من الانسجام بين فوي وغادناسن.
لم تكن شخصية ليزبيث يوما تستدعي عاطفة المشاهدين أو تعاطفهم، فلطالما احتفظت بمسافة كبيرة بينها وبين الشخصيات الأخرى والمشاهدين، وفي هذا الفيلم تجد ليزبيث نفسها تبحث عن طفل معرض للخطر، وهي مهمة لا تساعد على التخفيف من قسوتها كثيرا بقدر ما هي ترغمها على تشكيل رابطة مع شخص غير قادر على أذيتها أو استغلالها جسديا أو عاطفيا، وترتبط مسألة حماية أوغست بالدر الصغير (كريستوفر كونفيري) بشعور الألم والذنب الذي تعاني منه ليزبيث تجاه تركها لشقيقتها كاميليا وهي طفلة، وتتفوق «فوي» في الكشف عن حالة شخصيتها الداخلية بمجرد نظرة أو القليل من لغة الجسد، لقد كان خيارا ذكيا جعل شخصية ليزبيث منعزلة وقليلة الكلام. ومن ناحية علاقة ليزبيث بأوغست والتي يتم تصويرها بشكل حساس عموما، فإن شخصية أوغست تنتمي إلى فئة مثيرة للقلق بدأت تظهر كثيرا في الأفلام مؤخرا، وكان أوغست نابغة أيضا في الكتاب الأصلي، لكن فيلم «The Girl in the Spider’s Web» يعامل مرض التوحد لدى الأطفال كما لو أنه قوة خارقة أو أداة للحبكة في أسوأ الأحوال.
لا تحصل كاميليا سالاندر على وقت طويل على الشاشة كما قد تتوقع، لكن سيلفيا هوكس تلعب دورها بقسوة جليدية، حيث إن نظرات الشخصية النارية/ الثلجية قاسية بمثل سوداوية ليزبيث، ولقد عاشت كاميليا ماضيا مؤلما مثل شقيقتها، حيث أخذت إحداهما طريق الانتقام القاسي، في حين تركت الأخرى في عالم من الفساد لتتحول إلى مجرمة لا ترحم، نتمنى لو أنهم أمضوا وقتا أطول في استكشاف العلاقة الديناميكية بين هاتين الشقيقتين، لكن الفيلم يصر على الاستمرار بالتحرك نحو المشهد التالي المشوق.
ومثلما فعل في فيلميه السابقين «Evil Dead» و«Don’t Breathe»، جعل المخرج فيد ألفاريز مرة أخرى بطلته الأنثى تمر بجميع أنواع الصعاب، حيث تصاب ليزبيث بالرصاص، وتتعرض للكم والخنق والتخدير والمطاردة وتكاد تتعرض للتفجير أيضا في أوقات مختلفة، ويقدم لنا ألفاريز سلسلة من مشاهد الأكشن المختلفة مثل معركة في الحمام، ومطاردة دراجات نارية، ومشهد مطاردة في المطار، بالإضافة إلى مشهد اقتحام عنيف لمنزل ليزبيث، وأبرزها هو الهجوم التصاعدي على قاعدة الشرير، لكن المشهد الأفضل في الفيلم يأتي في وقت مبكر جدا وهو ليس مشهد أكشن بحد ذاته، بل بالأحرى مشهد درامي ينجح في تجسيد الجوهر الذي يشكل ليزبيث، إنه مشهد مواجهة محارب مقنع وحشي حيث تمسك برجل قوي ومسيء وتعاقبه بتطبيق العدالة عليه، لقد أعاد «The Girl in the Spider’s Web» تشكيل شخصية ليزبيث سالاندر وتقديمها كبطلة خارقة، لكنه لا يستعيد حقا قوة هذا التقديم.