تمضي السنوات مسرعة.. جيل يسلم الأمانة للجيل الذي يليه.. أصبحوا ماضيا، كما أصبح الحاضر حاضرا، أما المستقبل فبعلم الغيب.. لكن يظل لكل زمان أهله وحكاياتهم التي نسجوها.. منها ما كانت البسمة عنوانه وأخرى صاحبت الألم وبعضها عزفت بألحان المشاعر الإنسانية المتنوعة. سلسلة جديدة من «الحزاوي» ستأخذنا أحيانا للزمن الماضي بكل عبقه الجميل، كما ستحط بنا الرحال في وقتنا الحاضر لنروي حكايات أشخاص حقيقيين ومن جنسيات متعددة، منهم من رواها لي بنفسه والبعض الآخر وصلني من المقربين منهم أو ممن عاصروهم.. حكايات متنوعة نستقي منها العبر والدروس التي لا تحصى.. وتظل الدنيا حكاية.
بقلم: حنان بدر الرومي
[email protected]
سنة تمر وتليها سنة أخرى وحياة عبدالله كما هي لم يطرأ عليها أي تغيير.. يدير شركته بجدارة ويتابع جميع الإجراءات بنفسه ثم يعود إلى منزل لرعاية والديه المسنين.. رفض محاولات إخوته لتزويجه.. كان عقله وقلبه مقسومين لثلاثة أقسام، والداه ثم أبناؤه وأخيرا عمله.. وفر لوالديه ومن ماله الخاص فريقا كاملا من الخدم وكان يتابع جميع أمور المنزل بنفسه.. حرصه الشديد على والديه أشعرهما أكثر بالذنب، خصوصا أن طليقته استمرت في جبروتها ورفضها التام لزيارة أبنائه رغم أنه لم يقصر أبدا في واجباته المالية.
شجع الأخوال أبناءه الأولاد للقيام بزيارة والدهم خفية عن الأم.. كانت من أمتع الأوقات لعبدالله عندما يجالس أولاده ويحادثهم ويتابع أخبارهم وأخبار إخوتهم البنات.. لكن جميع اللقاءات كانت تتم داخل المنزل خوفا من وصول الخبر الى الأم.
٭ ٭ ٭
اهتمام عبدالله بعمله ومتابعته لأحدث الأدوية والأجهزة الطبية في العالم ومصداقيته في التعامل جعلت شركته من الشركات المميزة في الكويت والخليج.. ارتفع دخله وبعلاقاته القوية مع العديد من الفعاليات الاقتصادية نجح في استثمار ثروته الشخصية داخل الكويت وخارجها.. انتقل إلى خانة الأثرياء ولكنه لا يزال يعيش في منزل والده المتواضع.
توفي والده وهو ممسك بيده ويطلب منه أن يسامحه على ما تسبب له من آلام في حياته الزوجية.. كان عبدالله يخبر والديه بأنه نسي الماضي فالحياة نصيب.. لكنه كثيرا ما كان يقف أمام النافذة المطلة على بيت الجيران والذي تغير بعد بيعه وانتقال سكانه الى بيت آخر.. كان يعيش لحظات الماضي بنفس أحاسيسه اليافعة وكثيرا ما رآها أمامه بزي المدرسة.
٭ ٭ ٭
قبل وفاة الأم بحوالي عام أسرّت له بالسر الذي أتعبها.. أخبرته كيف أنها ذهبت الى منزل الجيران بناء على أوامر والده وهددت الجارة بأنها ستنشر قصصا وحكايات تفضح ابنتها إن لم تبعدها عنه.. لذلك قامت الأم بتزويجها بسرعة.. كانت صدمة عبدالله كبيرة لكنه اجتهد لضبط مشاعره فلا عمر والدته ولا صحتها يتحملان أي رد فعل عنيف منه.. تظاهر بالبرود التام وكأن الأمر لم يعد يعنيه بشيء.
بمرور الأيام اكتملت حلقات القصة، فالجارة قطعت علاقتها تماما بوالدته ولم تعد تجلس معها في مجلس واحد ولا ترد حتى السلام عليها.. حاولت الجارات كثيرا إعادة المياه الى مجاريها وبعضهن سعى الى معرفة سبب القطيعة، لكن باءت جميع المحاولات بالفشل، احتفظت الجارتان بالسر ولكل واحدة منهما سببها الخاص.
شعرت أم عبدالله بالندم لتصرفها وخافت أن تكون سببا في تعاسة منى، لذلك اجتهدت لمعرفة أخبارها قدر المستطاع وعرفت أن لـ«خزنة» الخطّابة يدا في الموضوع.. لذلك اختلقت قصة للتفاهم المباشر مع الخطابة وأجزلت لها العطية حتى أخبرتها بأن الجارة هي من طلبت من خزنة تزويج ابنتها.. ولقد زوجتها لشخص طيب ومن عائلة محترمة وأبلغتها باسمه الرباعي.. ذكرت الأم الاسم لعبدالله وطلبت منه أن يسامحها ويسامح أباه فلقد كانا يريدان له الخير ولو علما بما سيحدث له فيما بعد لما قاما بذلك.
٭ ٭ ٭
توفيت الأم وانتقل عبدالله الى منزله الجديد في منطقة العديلية ومعه طاقم الخدم والسائق.. أصبح منزله مركزا للتجمع العائلي الأسبوعي.. أما أولاده فاستمروا في زياراتهم الخفية.. كان عبدالله حريصا على متابعة أوضاعهم المعيشية والدراسية.. خطبت ابنته الكبرى لابن خالها وأصر الخال على أن يكون عبدالله هو وليها في عقد الزواج رغم شدة معارضة الأم.. كان أهل الطليقة يشعرون بالحرج أمام أخلاق عبدالله وكرمه.. بزواج الابنة تخلصت قليلا من سيطرة والدتها وبدأت بزيارة والدها.. سكنت نفس عبدالله بتزايد زيارات أولاده وأحفاده له فيما بعد.
٭ ٭ ٭
الطريق مزدحم فترة الظهيرة والإشارة معطلة.. رجال الشرطة ينظمون السير ولكن أبواق السيارات تتعالى مع شدة الزحام.. عبدالله بسيارته المرسيدس الجديدة في وسط الزحام وهو متعب ولا مزاج له ليتزاحم مع بقية السيارات.. سلم أمره لله ورفع صوت المذياع.. الأخبار مملة ولا مزاج له حتى أن يغير المحطة.. بدأ المذيع بصوته الجهوري بذكر أسماء وفيات اليوم.. رن في اذنه اسم يعرفه.
أغلق عليه باب غرفته بالمفتاح.. أخذ يدور حول نفسه وكأنه سحب قسرا للماضي.. صوت أمه لا يزال في اذنه وهي تذكر الاسم.. اعتقد انه نسي كل شيء ولكن روحه وقلبه لا يزالان متعلقان بها.. ولكن السؤال المهم هل الاسم الذي سمعه هو اسم زوج منى.. كانت مشاعره مختلطة، بدا كمراهق خائف أن يضبطه أحد فلا يستطيع الهروب.. ولكن لماذا يهرب يجب أن يتأكد.. وكيف يتأكد؟
رفع عينيه للساعة الخشبية الكبيرة المعلقة على الحائط.. قرر أن يذهب للصليبيخات وهناك في المقبرة سيعرف الإجابة.. خرج مسرعا من غرفته إلى الباب الخارجي والخادمة تناديه للغداء.
ركن سيارته في الموقف ونزل حائرا أين سيذهب وماذا عليه ان يتصرف.. أسئلة كثيرة تتزاحم في عقله وهو لا يملك الإجابة.. قلبه يخفق بقوة خوفا من مجهول قد يصدمه.. شعر بيد تهزه بقوة التفت ليجد جاره شقيق منى يقف أمامه.. ارتجف جسده بوضوح.
الأخ: آآسف لم أقصد إخافتك ولكنني ناديتك أكثر من مرة.
يبلع عبدالله ريقه من الصدمة يشعر وكأن حلقه قد نشف تماما: ماذا.. لا.. لا عليك كنت أفكر.
الأخ: هل عندكم حالة وفاة؟
يتمالك عبدالله نفسه ويستجمع قواه ويرد: من المعارف ولكنني حضرت مبكرا.
الأخ: سندفن اليوم زوج أختي منى.. الله يرحمه توفي فجأة.. الله يصبرها.
يجتهد عبدالله لضبط ردة فعله فيقول وهو يشيح بوجهه للجانب الآخر: الله يرحمه سأصلي عليه معكم.
٭ ٭ ٭
يقف عبدالله عند القبر وهو يحدث نفسه: مات.. أجل الموت المخيف قد يشعرنا بالراحة.. سبحان الله هنا هدأت نفسي وسكنت.
يتلفت حوله خوفا من أن يسمعه أحد.. المكان أصبح فارغا من الناس.. خيّم الصمت وساد الظلام وعبدالله لا يزال واقفا عند القبر.. لأيام عديدة كان عبدالله يزور القبر اكثر من مرة في اليوم.. لماذا؟ لا يجزم بالإجابة.. هل ليتأكد من أن المرحوم لن يخرج من قبره.. أم أملا في رؤيتها وهي تزور زوجها.. انه ضائع ولا يعرف ماذا يريد.
مر أكثر من خمسين يوما على الوفاة وعبدالله حائر ماذا عليه أن يفعل وما هي البداية.. ان قلبه يحدثه بأشياء جميلة وسعيدة ولكن عقله يحذره فالزمان غير الزمان والظروف تغيرت وهو لا يعرف وضع منى الحالي.. تذكر خزنة الخطابة لعلها تكون بداية الخيط ولكن كيف يصل اليها.. ذهب لشقيقته الكبرى واختلق قصة موظف لديه يريد الزواج ووالدته سيدة كبيرة في السن وانه يرغب بمساعدته.. وعدته شقيقته بإحضار رقم هاتف خزنة.
٭ ٭ ٭
يجلس أمام خزنة في صالة منزلها والمخصصة لاستقبال الزبائن.. يعرّفها بنفسه فيفاجأ بأنها تعرفه وتعرف والديه وقصته مع زوجته.. بدا واضحا له شدة ذكائها وقوة ذاكرتها برغم عمرها الذي تجاوز الستين عاما.. أدرك بخبرته في المفاوضات أن السيدة تملك ذكاء حادا وسرعة بديهة وقدرة على اقتناص الفرص.. قام بوضع مبلغ ثلاثمائة دينار على الطاولة.. لاحظ أن عينيها تبرقان كعيني الذئب.. أخبرها ببعض حكايته.. بحبه البريء لمنى وكيف أنها تزوجت قبل أن يتقدم لها وهو الآن يريد الوصول لها.
خزنة وهي ترمق النقود: لا أعلم عنها الا القليل، فمنذ أن تركوا منزلهم انقطعت علاقتي بوالدتها.. حتى عندما توفيت كنت مريضة ولم أقم بواجب العزاء.
عبدالله: أنا على يقين بأنك تستطيعين الوصول اليها ـ يؤشر بيده الى النقود ـ اعتبري هذا المبلغ هدية مني.. وان تم ما أتمناه فلك منى ألف دينار وقطعة ذهب تختارينها بنفسك.
٭ ٭ ٭
بعد أربعة أيام تتصل خزنة وتخبره بأن منى تسكن في منطقة خيطان وأنها قد حصلت على عنوانها وأن المرحوم كان موظفا في الشؤون.. يتفق معها على أن يرسل لها سائقه الشخصي وهو في انتظار الأخبار.. تدخل خزنة لبيت منى المتواضع وتتظاهر بالبكاء على المرحوم وتدعي انه كان يساعدها دائما عند مراجعتها للوزارة ولم تعلم بوفاته الا اليوم.. وانها حصلت على العنوان من احدى الموظفات.. أخذت تبكي وتعدد مناقب المرحوم الطيبة.. بكت وأبكت منى وبناتها ثم طلبت أن تسمح لها بزيارتها فهي في العدة وهذا أقل واجب تقدمه للمرحوم.. حصلت على الموافقة التامة.
٭ ٭ ٭
أعطى عبدالله خزنة الحق في استعمال سيارته مع السائق.. كما كان يمدها بالمال.. بدأت خزنة بزيارة منى بشكل أسبوعي ودائما تدخل ومعها طبق من إعدادها.. مهاراتها في الحديث ومعرفتها بالأخبار ومرحها جعلها عضوة دائمة في جلسة منى الأسبوعية.. ومع الوقت أصبحت تدخل البيت في أي وقت وتعرفت على عائلة منى.. الأخبار كانت تصل مباشرة الى عبدالله.. فمنى لديها ابنتان وولدان وجميعهم متزوجون.. يسكن الأولاد معها في المنزل في الدور الثاني.. الكبير لديه ابنة صغيرة والآخر متزوج قبل وفاة والده بثلاثة أشهر.
تذكر منى المرحوم بكل حب، فلقد كان طيبا ولطيفا جدا معها ولكن وضعه المالي محدود.. درست منى دورة سكرتاريا وعملت كسكرتيرة في احدى رياض الأطفال حتى التقاعد.. علاقة منى بأختها وبقية اخوتها جيدة وهم يزورونها دائما.. حرصت خزنة على الاشارة أحيانا لعبدالله وقصته مع زوجته واهتمامه بوالديه أمام منى وأحيانا بحضور الأخت لمست عدم معرفتهم بحبه لها واستشفت أن الأم ماتت ومعها سرها.
٭ ٭ ٭
بعد انتهاء العدة، أقامت خزنة لمنى وليمة غداء سخية وبالغت في إكرامها.. شعرت منى بالاحراج ولكن خزنة الذكية طلبت منها أن تعتبرها كوالدتها.. استمرت علاقة خزنة بمنى وكانت تزورها صباحا ليصفى لها المكان فالجميع في العمل.. لاحظت أن منى هي من تقوم بالطبخ وان المنزل به خادمة واحدة فقط وهي دائما مشغولة بتنظيف شقق الأولاد وغسل وكي الملابس وعندما تسألها لماذا لا يجلب الأولاد خادمة لهم كان الرد أنهم يرغبون بتوفير المال.. أيقنت خزنة أن منى غير مرتاحة من زوجات أبنائها وأن مشاعر الأولاد تجاه والدتهم جامدة عكس البنات.
٭ ٭ ٭
بدأت خزنة بتنفيذ خطتها.. فكانت تشير في بعض الأحيان الى ثراء عبدالله ورغبته بالزواج وحسن أخلاقه.. وتبدي أسفها لعدم تقدير أولاد منى لها ولتعبها.. وحزنها الشديد على منى التي لا تزال تتمتع بالشباب والجمال ولكنها كالجوهرة المدفونة.. كانت تستغل كل فرصة لاثارة الأسى على وضعها وانها ان استمرت بالتنازل فسوف تتحول إلى خادمة لزوجات الأبناء.. وطبعا أثارت خزنة البنات والأخت للوقوف معها ضد أسلوب حياة منى.
٭ ٭ ٭
طلب عبدالله رؤية منى ليتأكد من حقيقة مشاعره.. أخذتها خزنة الى سوق المباركية للتسوق.. أحس عبدالله عندما شاهدها ان قلبه يخبره انه لا يريد غيرها.. لقد كبرت قليلا لكنها لا تزال تتمتع بالرشاقة وجمال التقاطيع.. صحيح ان شكلها الخارجي يوحي ببساطة وضعها المعيشي ولكن هذا لن يمنعه من أن يجعلها تتربع على عرش قلبه.. أخبر خزنة بعزمه على الزواج منها.
رفضت منى الخطبة ولكن خزنة التي لا يمنعها شيء، استعانت بالأخت والبنات بعد أن ملأت قلوبهم ضد الأولاد وزوجاتهم فضغطوا عليها للموافقة.. كانت خزنة تحضر يوميا لزيارتها وتحدثها عن حقها في الحياة السهلة والتمتع بالسعادة والغنى.. أخبرت الأخت أخاها بالموضوع ففرح وأخذ هو الآخر يشجع منى للموافقة، فعبدالله نعم الرجال.. لم يعلم الأبناء بما يدور حولهم.. في أحد الأيام تشاجرت زوجة الابن الأصغر مع منى وأساءت لها.. انهارت منى لما سمعته ولموقف ابنها الموالي لزوجته.. استغلت خزنة الموضوع بذكاء.. وافقت منى على الزواج.
٭ ٭ ٭
بدأت مرحلة جديدة في حياة الاثنين، وجدت منى في عبدالله الكرم والحب والاهتمام والدلال.. بمرور الوقت أيقنت أن ما ربطها بالمرحوم كان العشرة والمودة، أما الآن فهي تعيش الحب بهدوء.. انقلبت حياتها تماما لترضي زوجها.. أصبحت أكثر اهتماما بنفسها ورشاقتها وأناقتها.. بدأت تتعلم اتيكيت المجتمعات الراقية لترضي زوجها.. أما عبدالله فقد سلم قلبه ونبضه لحب عمره وأشرق قلبه الحزين من جديد.. أصدق الاثنان العطاء لبعضهما البعض واحترما خصوصية حياتهما الأسرية وعلاقتهما بأبنائهما.. نجح الاثنان بالعزف على أوتار قلبيهما فتمتعا بالسعادة التي ينشدها كل إنسان وحولا حياتهما الى ربيع دائم.