بيروت - جويل رياشي
ختمت المصورة اللبنانية الشابة آيلا هبري معرضها «شجرة نخيل تنحني أمام القمر» الذي تضمن صورا التقطتها في الشارع أو في الطبيعة بأسلوب وثائقي، وعملت عليه لثلاثة أعوام منذ عودتها الى لبنان بعد غياب استمر عقدا من الزمن.
لم تخرج هبري خريجة كلية الفنون الجميلة في جامعة «ألبا» اللبنانية والتي تابعت دراسات متقدمة في التصوير في معهد فنون التصوير في شيكاغو (ثاني مركز عالمي بعد جامعة يال) عن اعتماد اللونين الأسود والأبيض في الصور التي التقطتها.
جوانب أخرى من المدينة ومشهديات الحياة في عمل متكامل، زاد من تماسكه المكان الذي يعود بنا الى ذكريات معمل «أبرويان» للأقمشة وصناعة الملابس في اطراف ضاحية برج حمود وعلى الحد الفاصل بين نهر بيروت والضفة الاخرى التي اطلق عليها اسم النهر.انه الوجه الآخر لبيروت، حيث الضوضاء والحياة.
هناك في تلك البقعة، الموطئ الاخير قبل بلوغ مدن الصفيح المتاخمة لمنطقة النبعة جنوبا، وهي حزام البؤس، منذ ما قبل الحرب الاهلية، في ضاحية بيروت الشرقية.
لوحات تشبه القاعة الكبرى، وهي احد فناءات المصنع الشهير الذي عاشت منه اكثر من 800 عائلة لبنانية، قبل إعلان مالكيه القدامى إفلاسه، وطرحه للبيع في المزاد العلني لاكثر من ستة أعوام، الى ان قام مارك حديفة بما اتفق الجميع على تسميته بـ «مغامرته المجنونة» بشراء المصنع الذي يقع في قطعة ارض مساحتها 14 الف متر مربع ويتألف من مبنيين رئيسيين لا تربط بينهما صلة هندسية شكلا.
غامر حديفة في اقتحام منطقة يصعب الوصول اليها لغير قاطنيها الا عبر تطبيق «غوغل مابس» وهو الآتي من عالم الانتاج الدعائي لأفلام إعلانية.
أراد ابن بيت شباب نجل العائلة المتنية المشهورة بأفكارها الخلاقة التقاعد عن عمر 49 عاما، ودشن للغاية في يوم ميلاده في 18 ديسمبر الماضي، حانة في جانب المصنع، لجعلها ملتقى لأبناء المجتمع «المخملي» في اكثر الضواحي ازدحاما.
معرض هبري هو الحدث الثالث من قلة استضافتها القاعة في المصنع والتي فلشت أرضيتها بخشب الباركيه، وبقي الزمن فيها على ما كان عليه.
حقا، لقد عانقت لوحات هبري القمر، وليست الشجرة فقط التي حملت عنوان عملها الجديد، بعد سلسلة محطات عالمية لها.
عودة الى الحانة التي أطلق عليها حديفة اسم «يونيون ماركس»، حيث مجموعات من أدوات خياطة و«كباكيب خيطان» (من ماركة union) وآلات صغيرة استعملت في المصنع الكبير. وفي السرداب الفاصل بين قاعتين شكلتا الحركة في المصنع، عبور في الزمن.. ليس بالضرورة الى الوراء فقط!
صور الخياطات على ماكيناتهن في المعمل بدت وكأنها صلة الوصل الاكثر واقعية بين ماضي المكان وحاضره. أما الحديقة والمساحة الخضراء التي تربط بين المبنيين فتبدو كالجنائن المعلقة الآتية من عالم الحكايات لتستريح في اكثر المناطق شعبية في لبنان.
في الخارج، تعيدنا الحفريات الى الواقع وكأننا كنا خارج الزمان والمكان وفجأة ارتطمنا بهما: أهلا بكم في برج حمود من جديد. زحمة، كاراجات تصليح سيارات، دراجات تسابق السيارات العالقة في الفوضى، بقالة جائلون وأولاد يلعبون على بقايا الأرصفة.
الا ان الخروج لا يحتاج الى تطبيق «غوغل مابس»، اذ ان ناطحات السحاب في الجهة المحاذية تقودنا الى الضفة الاخرى من النهر، مع شيء يشدنا الى العودة الى هناك. عودة استحقت الأموال التي صرفها حديفة على إنقاذ معلم صناعي وفتح باب للعبور من والى الماضي.