قوم بهت
(وكذلك أنزلنا إليك الكتاب) كما أنزلنا الى أهل الكتاب كتبهم السابقة أنزلنا إليك أيضا أيها النبي الأمي هذا الكتاب العظيم (فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) هل آمن أحد من النصارى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ نعم آمن كثير من النصارى، وهل آمن كثير من اليهود بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ نعم آمن الكثير منهم لأنهم يعرفون الحق وما عاندوا فيه، نعم موجود في كتابهم حبيباتي معروف عندهم، ولذلك لما أسلم عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخبر اليهود أني قد أسلمت، واسألهم ماذا يقولون فيّ، فلما جاء وفد اليهود الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ما تقولون في ابن سلام؟ قالوا حبرنا وعالمنا وسيدنا، فخرج ابن سلام قال إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا: سفيهنا، في ذات المجلس، وهذا مسطور في كتب السيرة، قوم بهت، قال ابن سلام: ألم أقل لك انهم قوم بهت، يعرفون الحق، منهم من عرف الحق واتبعه ومنهم من عرف الحق وجحده وأولئك هم الظالمون.
الحق واحد
(فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) الحق واحد حبيباتي، اعرف الحق تعرف أهله فإذا عرف أهل الكتاب من النصارى الحق في كتابهم رأوه في كتابنا، لأن الله سبحانه وتعالى وصفهم بقوله: (ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) يقول تعالى: (ومن هؤلاء من يؤمن به) من آمن بكتابهم وآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالقرآن فله أجران كما أخبر رسول الله في كتابه الى النجاشي، (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) الآية العلامة الواضحة والدليل الباهر الذي لا تكذيب فيه ولا راد له فإنه واضح وضوح الشمس ساطع البرهان أكيد الدلالة على وحدانية الله عز وجل: (وما يجحد) الجحود هو النكران مع معرفة الحق، وقلنا سابقا ان الكفر في اللغة هو تغطية الشيء والستر ومنها سمي الزارع كافرا لأنه يغطي البذرة في الحقل بالتربة.
تهم عظيمة
يعجب الله- عز وجل- مما اتهم به نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم من تهم عجيبة وفرية عظيمة، يقول سبحانه وتعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) قالت قريش: تلقى هذا الكتاب من بعض أهل الكتاب ويدرس عندهم ويتعلم منهم، الله عز وجل يبطل هذه الفرية العظيمة، يقول: أنتم عرفتموه ورأيتموه يكبر بين أظهركم وعلمتم حاله وأحواله ظاهرة وباطنة حتى انكم أسميتموه الصادق الأمين.
يعجب الله تعالى ويقول لهم: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب) نبينا صلى الله عليه وسلم لم يكن على ملة أهل الكتاب ولا يعرف ما عندهم ولا يخطه بيمينه لأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب (إذاً لارتاب المبطلون) لو كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يعرف الكتابة والقراءة لأصبح مدعاة ومثارة للشك والشبهة أنه ربما سطر هذا الكتاب ولكن أميته برهان على هذه المعجزة.
في صدور المؤمنين
(بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) القرآن آيات بينات واضحات مغروسة ومحفورة في صدور المؤمنين، وهذا الذي تميز به المسلمون عن غيرهم من أهل الأديان، يقولون في صفة هذه الأمة عند أهل الكتاب إن أناجيلهم في صدورهم اي حافظين للقرآن، ومن خاصية هذه الأمة أنها تحمل كتابها بين جنبي صدرها في قلبها.
فالعلماء يحفظونه ويعلمونه حتى انه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا القرآن لا يغسله الماء والحديث في مسلم، يعني لا يذهب، كانوا اذا أرادوا أن يمحوا ما كتب يغسلونه بالماء، لكن هذا القرآن ليس فقط مسطورا في الصحف ولكنه محفوظ في الصدور فلا يزيله شيء سبحان الله وهذا وعد الله المحقق.
محفوظ في الصدور
(إنا نحن نزلنا الذكر)، قسم من الله عز وجل رب العزة والجاه، قال: (وإنا له لحافظون) يحفظ في الصدور وتتوالى عليه الأجيال سندا عن سند وأمة عن أمة وجيلا بعد جيل دلائل واضحة بينة على وحدانية الله وعلى الحق الذي هو دين الله سبحانه وتعالى.
أجران لأهل الكتاب
(وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) حبيباتي تكررت الآية (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) (وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) وهذه حقيقة لأنهم يعرفون الحق ويجحدونه وينكرونه، من أهل الكتاب لهم أجران لأنهم آمنوا بنبيهم وآمنوا بنبينا وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
اعتراض الظالمين
(وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه) مازال الكلام على لسان هؤلاء المعاندين المكابرين الذين اعترضوا واقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم نزول آيات، كما قال سبحانه عنهم: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) فتعيين الايات ليس عندهم ولا عند الرسول صلى الله عليه وسلم فإن في ذلك تدابير من الله وانه لو كان كذا وينبغي أن يكون كذا وليس لأحد من الأمر شيء، ولهذا قال: (قل إنما الآيات عند الله) إن شاء أنزلها أو منعها (وإنما أنا نذير مبين) وليس لي مرتبة فوق هذه المرتبة وإذا كان القصد بيان الحق من الباطل فإذا حصل المقصود بأي طريق كان اقتراح الآيات المعينات على ذلك ظلما وجورا وتكبرا على الله.
بل لو قدر أن تنزل تلك ويكون في قلوبهم أنهم لا يؤمنون بالحق إلا بها كان ذلك ليس بإيمان وإنما ذلك شيء وافق أهواءهم فآمنوا لا لأنه حق بل لتلك الآيات، فأي فائدة حصلت في انزالها على التقدير؟
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء