يخبرنا الله عز وجل عن سعة علمه وعظيم قدرته وكمال سلطانه فيقول: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) انظر الى نفسك أيها الإنسان، الله خلقك ولا تملك أن ترزق نفسك شيئا، فهل لك حيلة في ذلك؟ خلقك الله وأنت ضعيف لا علم لك ولا سمع ولا بصر ولا قوى، ثم رزقك بعد ذلك اللباس والمال والمكاسب، فالذي أعطاك وأنت ضعيف قادر على أن يعطيك ويرزقك في كل أطوار حياتك، فلا تحمل هم رزقك، (ثم يميتكم) ثم حرف يفيد التراخي، انظر في شأنك وفي تكوينك، فالذي أوجدك من العدم أهون عليه أن يعيدك للحياة التي لا ممات بعدها (سبحان الله عما يشركون) أي تعالى وتقدّس وتنزّه وتعاظم عز وجل عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
عاقبة كثرة المعاصي
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) يوضح الله سبحانه أثر الإنسان على البيئة، فالمعصية تؤثر عليك، وتؤثر على من حولك، وقد زادت الكوارث واختل نظام البيئة كله من شؤم المعصية، فإذا نشزت عن أمر ربك أصبحت أنت القوة المدمرة، تدمّر ولا تحسب لله حسابا، تدمر المجتمع بمعصيتك، وتلوث الأنهار فيظهر الفساد في البر والبحر كالجدب وقلة الأمطار وكثرة الأمراض والأوبئة، وذلك بسبب المعاصي التي يقترفها البشر ليصيبهم بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها في الدنيا (بما كسبت) الباء هنا سببية أي هذا بسببك، وقد ثبت في الصحيحين ان الفاجر إذا مات يستريح منه العباد والبلاد والدواب.
كفر النعم
بعد أن أخذ الله عز وجل بأيدينا للنظر في أنفسنا، ثم أخذ بأيدينا للنظر بألا نكون اثرا سلبيا على البيئة، أخذنا الى النظر لتاريخ البشرية للاعتبار والعظة فقال سبحانه (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) انظروا ما حلّ بمن كان قبلكم من تكذيب الرسل وكفر النعم.
انظر وتأمل واعتبر من هذه الآثار أين ذهبت، أحي قلبك، تفكر، وانظر نظرة اعتبار، لم تنفعهم الكثرة، أبادهم الله، فبعد أن أمر الله سبحانه نبيه بأن يتعظوا بالحوادث التاريخية قال (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ).
يأمر الله عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته والمبادرة الى الخيرات من قبل ان يأتي يوم لا مردّ له من الله أي يوم القيامة (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) أي يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير.
الجزاء والعقوبة
(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) من كفر فعليه عقوبة كفره وهي خلوده في النار، (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) المهاد: الفراش مكان الراحة والعمل الصالح يجازيهم به ربهم.
بشارة
(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِــرِينَ) يجازيهم مجازاة الفضل، فالحــسنة بعشر أمثالها الى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله، (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) ومع هذا هو العادل فيهم الذي لا يجور، ومن كرمه أنه يعامل أهــــل الإيمان بفضله لا بعدله، ومن يملك الفضــل إلا الله الــواحد الأحــد.
وهذه بـشارة ونعمة كبيرة لأهل الإيمان، والله لا يحب الكافر، ولكن هو عدل معه، والله عز وجل يحب من عبده أن يتعامل بالعدل حتى مع من لا يحب، ومازال الله يعامل الكافر بعدله ويفتح له أبواب حلمه.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء