رأس الحكمة
(ولقد آتينا لقمان) يعني أعطينا لقمان، هذا العبد الصالح الحكمة، (أن اشكر لله) إذن رأس الحكمة شكر الله عز وجل، فهل الشكر فقط باللسان؟ لا.
لا، لكن العرب تعرف الشكر، قلنا ان هذه الألفاظ لما تنزل عند العرب، العرب يعون أبعاد اللفظة، (أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا) يعني ثلاثة القلب واللسان واليد والجوارح، سبحانك لا إله إلا أنت، ولما أمر الله عز وجل هذا العبد الصالح بشكره بين سبحانه وتعالى غناه عن خلقه، فلا تظن ان الله سبحانه وتعالى محتاج (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) يعود نفع ذلك عليه، (ومن كفر فإن الله غني حميد)، سبحانه حميد محمود في صفاته وأفعاله، سبحانه وفي كل أمره سبحانه وتعالى له الحمد في كل حال، فالله سبحانه وتعالى أول ما يبين أن طاعتك أيها الإنسان إنما تعود بالنفع على نفسك، وهذا من فضل الله عز وجل. ضرب أحد المتحدثين مثلا للصلاة عندما سئل لماذا يؤدي المسلمون الصلاة؟ وكان أجنبيا يشرح لأجانب، فقال: عندي بنتان فجاءت البنتان وقالتا يا أبي أعطنا 10 دولارات لكل واحدة منا، قلت: فلم؟ قالتا حتى نشتري لك هدية، فأعطاهما الـ 10 دولارات وذهبتا لشراء الهدية وأتيتا بها فرحتين وقدمتهما لأبيهما وهما في غاية الفرح لأنهما أحستا انهما فعلتا أمرت وتقربتا إلى أبيهما بشيء، لكن الحقيقة من الذي أعطاهما المال؟ أبوهما، الأب هو الذي أعطاهما، هل عاد ذلك عليه بنفع حقيقي؟ لا، لكن هي فرحة الأبناء لإحساسهم بأنهم قربوا وتقربوا لأبيهم بهذه الهدية، الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين.
شكر الله
يقول سبحانه وتعالى مخبرا عن هذا الرجل الحكيم، أين وجه حكمته، أول ما يخبرنا القرآن عن لحظات معينة في حياة لقمان وهي وقت أن أوصى وهو يعظ ابنه، وهذا يبين ان الإنسان أول ما ينفع ينفع نفسه، لقمان (أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه)، فجاء الأمر الى لقمان بالبدء بنفسه، ثم البدء بأهله، كما قال صلى الله عليه وسلم «أدناك فأدناك»، والله سبحانه وتعالى خلّد هذه العظة وجعلها سبحانه وتعالى وكأنها منهاج تربوي لكل الآباء والأمهات في تربية الأبناء، يقول سبحانه وتعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه)، والعظة ان تبين له الخير وأن تحذره من الشر، والعظة تكون بالكلام اللين والرفق والأخذ بيد السامع والترفق به.
أعظم الظلمات الشرك بالله
ووصاه بأعظم وأهم الأمور وهو القيام بتوحيد الله عز وجل، قال: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)، لا يحدث أمر في هذه الدنيا لا أنطق الآن وأنا أكلمكم إلا بأمر الله وبعلم الله وبقدر الله، فهذا مما وقع بأمر الله وبإذن الله وبعلمه سبحانه وتعالى قبل أن يقع، فالله سبحانه وتعالى قدر أن يجعل هذا الرجل حكيما، وقدر سبحانه وتعالى أن يعظ هذا الرجل ابنه وقدر سبحانه وتعالى ان يجعل هذه الحكاية في وحيه وكتابه حتى يتعظ بها من جاء من بعده، وهذا من فضل الله عز وجل وتربيته للأمة، يقول الله سبحانه وتعالى أول وصية وصى بها لقمان لابنه هو التوحيد، وأوصاه بتوحيد الله عز وجل لأن الإنسان قد يتوجه بالعبادة الى الله ولكنه قد يشرك مع الله آخر، قد يكون ذلك شركا بيّنا كما فعلت قريش وغيرها ممن أشركوا مع الله الملائكة والأصنام وغير ذلك، وقد يكون شركا آخر بالتوجه بالأفعال التي لا تكون إلا لله عز وجل، التوجه بالمحبة، التوجه بالدعاء هذا كله من الشرك، وهذا مما ابتليت به الأمة، نرى الأطفال الآن يأتون أمهم وأباهم ويأتون بهم الى مكة والحجاب معلقا في رقبتهم، يذهب الناس في زيارة الى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا بهم يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون يا رسول الله افعل لنا كذا وكذا، وهم يعبدون الله، لابد من توحيد الله عز وجل وعدم الإشراك بالله، ولما قال لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله، لما جاء النهي بين سبب النهي وهكذا عندما ينهى الآباء والأمهات ن أمر يجب ان يبينوا علته حتى يكون الحوار مقبولا بينك وبين الذي أمامك، قال عز وجل على لسان لقمان: (إن الشرك لظلم عظيم)، وفي هذه الآية بين الله عز وجل لنا ان أعظم الظلمات هو الشرك بالله عز وجل، وهو الأمر الذي لا يغتفر، لذلك لما نزل قول الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم : (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، شق ذلك على الصحابة قالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! يعني لما يلامس الإيمان ظلم فمن المؤكد أنه ظلم نفسه وظلم بيته وظلم زوجته وظلم أولاده وظلم في بيعه وظلم في كلمة، فشقت عليهم هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه ليس بذاك، ألا تسمع الى قول لقمان لابنه: (يا بُني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)»، فأعظم الظلم الشرك بالله عز وجل، تظلم فيه نفسك، والظلم انتقاص الحق، ووضع الشيء في غير موضعه، انتقاص الحق، تنتقص من حق نفسك ومن حق ربك إذا أشركت بالله أحدا.
ألقيت المحاضرة
في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء