يخبرنا الله عز وجل في سورة لقمان عن الحكمة في قلب المؤمن، والله اخبرنا في قرآنه كيف يحصل العلم لأهل الإيمان قال سبحانه وتعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله)، فقد يحصل للإنسان علم كثير ولكنه كالزبد لا ينفع، فليس الشاهد بكثرة العلم ولكن الشاهد بنفع العلم، والعلم لا ينفع إلا إذا قيّد بالعمل، نسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح، والله سبحانه وتعالى يأخذ بأيدينا في سورة لقمان في جولة بين براهن التوحيد ودلائل العظمة حتى نكون بفضله وبالنظر بآياته من الموقنين، ويُعجب من حال هؤلاء الكافرين، مر بنا في الآية السابقة انه سبحانه وتعالى يلفتهم الى النظر في هذه الكواكب السائرة، وفي هذه النجوم التي بالسماء، في الشمس، في القمر، وفي ولوج الليل والنهار.
نعم الله
(أَلَمْ تَرَى أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ)، كما ان هذه النجوم تجري في الفلك فإن هذه السفن ايضا تجري في البحر، حبيباتي لو نظرنا الى الماء، لو جئت بحجر صغير ثم ألقيتيه في الماء أيطفو أم يغرق؟ تغرق، فسبحان الله كيف تحمل هذه المياه هذه البواخر العظيمة، نحن نرى الآن كلما تقدم الزمن زادت حجم هذه البواخر وزاد عظم طولها وعرضها حتى اصبحت كالمدن السائرة في البحر، الله يلفتنا فيقول: انظر الى هذه البواخر، انظر الى هذه المراكب، كيف كانت تسير؟ كانت تسير برحمة الله ان سيرها بالريح، كان اجدادنا ينتظرون الريح فإذا جاءت تحولت الريح واصبحت جنوبية ذهبوا بها الى الهند، ثم اذا تحولت وعادت شمالية عادوا بها الى البلاد، لم تكن هناك مكائن ولا هناك بنزين، لكن الريح كانت تحملهم، والله سبحانه وتعالى يسر لهم ذلك وسخر لهم ارزاقهم بذلك، امر عجيب نلمسه نحن في حياتنا، الله سبحانه وتعالى يلفت نظر هؤلاء الكافرين يقول ألم تنظروا، لكنه سبحانه وتعالى يتوجه بالكلام الى خير الخلق، يقول ألم تعلم أن الله سبحانه وتعالى يجري هذه الفلك بنعمة الله، هي نعمة كبرى ومنّة عظمى من الله عز وجل، ولكن الإنسان من كثرة ما رآها تعود على وجودها، فلم يعد يشكر نعمة الله عز وجل عليه فيها، وهذا حال الكافرين، اما المؤمنون فهم حامدون شاكرون في كل آن وحين، (ليريكم من آياته)، آية عظيمة، نحن الآن اكتشفنا في القرن العشرين قانون الطفو، الذي هو الماء والإزاحة، لكن من الذي اودع في الماء هذا السر؟ ومن الذي اعطى الماء هذه القدرة؟ الله عز وجل.
طاعة الصبر
(إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) وكأن الله سبحانه وتعالى يقول إن في ذلك لآيات لأهل الإيمان، والإيمان هو كما تعلمون نصفه صبر ونصفه شكر، وكما يقول الرازي فيما ذكر البقاعي له يقول: الصبر هو الثبات في مراكز العبودية، يعني ان الإنسان يحقق عبوديته لله في كل أوقاته وأحيانه وأحواله، ان كانت نعماء شكر، وإن كانت ضراء صبر، وإن كانت طاعة صبر على أدائها، وإن كانت شهوة امتنع عن الولوج فيها، هكذا الصبر قيمة اساسية في حياة المؤمن، فالصبر هو الثبات في مراكز العبودية ان تتذكر دائما انك عبد لله فتحقق مراد الله عزّ وجلّ والشكر هو رؤية النعمة من المنعم، الحق رؤية النعمة من المنعم الحق، وصرف نعمه الى محابه، الشكر رؤية النعمة من المنعم الحق، ان ترى نعمة الله عليك وأن تعلم ان الله سبحانه وتعالى هو الذي انعمها وأفاض بفضله عليك، ثم اكمالا لها الشكر فتجعل استخدامك لهذه النعمة في طاعة الله عز وجل، فيما يرضي الله، في محبة الله، فالله الذي اعطاك رجلين وقدمين تمشي بهما امش بهما الى طاعته ولا تمش بهما الى معصيته، هذا النظر، هذا السمع، هذا اللسان، كل هذه النعم من الله عز وجل والانسان يجب ان يشكر نعم ربه عليه وألا يستخدمها الا في محاب الله وفيما امره الله عز وجل، كما على الانسان ان يحفظ سمعه وبصره ولسانه وجوارحه وأركانه وقلبه، فبذلك يحقق حقيقة الشكر، فعليك ان ترى نعمة الله عليك وأن تستخدم هذه النعمة فيما يرضي الله عز وجل، ويقول الله عز وجل هؤلاء الذين عجزوا عن رؤية نعمة الله، وفي المقابل رآها اهل الايمان، اهل الصبر والشكر، فكان الصبر عنوان حياتهم والشكر راية منهجهم وأوقاتهم وأعمالهم.
ألقيت المحاضرة
في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء