- الخراز: حب الوطن غريزة فطرها الله في نفوس الناس جميعاً
- الكوس: ما صنعته أسماء بنت أبي بكر يؤكد دور المرأة وتضحيتها
- الشطي: على جميع المؤسسات غرس حب الوطن في نفوس النشء
- الرومي: الدولة الإسلامية قائمة على العدالة الاجتماعية والمساواة
الهجرة النبوية الشريفة تعلمنا الدروس في مجال العقيدة والأخلاق والقيم والعبادات والمعاملات، وكذلك في الارتباط بالوطن وحبه والدفاع عن أرضه ومقدساته وتحقيق المواطنة، وهذا ما يؤكده هذا الاستطلاع:
يحدثنا د.أحمد الكوس الخطيب بوزارة الأوقاف عن الفوائد والعبر التي يستفيد منها المسلم من الهجرة النبوية قائلا: الفوائد كثيرة من أبرزها ان الهجرة كانت فرقانا بين الحق والباطل، بين الشرك والتوحيد، حيث أفل الشرك وعلا التوحيد وأصبحت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
من الفوائد أيضا أهمية فرار المسلم بدينه ونفسه عند محاصرته من العدو، ليتفرغ لعبادة الله تعالى في أرض الله تعالي، ثم ان الهجرة هي هجرة المسلم عن كل ما نهى عنه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
حاول الكفار إلحاق الأذى والقتل بالرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى نجاه منهم ونصره عليهم، قال تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
ويتبين لنا أهمية نصرة الإسلام والدين ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهذا ما فعله الصحابة وأبوبكر رضي الله عنه وابنته أسماء، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، حيث فدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بما يملكون ماديا ومعنويا.
ويتبين لنا فضل الصحابة رضي الله عنهم ومكانتهم أيضا خصوصا أبوبكر الصديق وباقي الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث نام مكان الرسول صلى الله عليه وسلم دون خوف او وجل من كفار قريش، وذلك بعد ان أدى الرسول صلى الله عليه وسلم الأمانات التي كان يحتفظ بها لقريش.
أهمية الدعوة ونشر الإسلام هي غاية عظيمة من غايات ومقاصد الإسلام، لذلك دأب الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوة الناس ومنهم قبيلته قريش وسائر قبائل العرب الى التوحيد ونبذ الشرك، وإلى أخلاق الإسلام وقيمه الكريمة، وكانت هجرته الى المدينة واستقبال أهلها له تتمة وتأكيدا على الدعوة واستكمال نشرها بعد إنشاء وبداية الدولة.
كان دور المرأة مهما في الهجرة، وهو ما صنعته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في إيصال الطعام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، حتى سميت ذات النطاقين لأنها شقت نطاقها أثناء الهجرة الى نصفين لتربط به الطعام والآخر تربط به ملابسها.
من أهم الدروس التوكل على الله تعالى والاعتصام بحبله المتين وهو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من بداية الهجرة حتى نهايتها وانتصاره، ووصوله الى المدينة.
من أهم الدروس في الهجرة أهمية التخطيط والأخذ بالأسباب، لذلك حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على التخطيط للهجرة والتغطية على الكفار في خروجه الى المدينة باتخاذ الطريق الساحلي، واتخاذ الغار لمدة 3 أيام، والتزود بالطعام عن طريق أسماء رضي الله عنها والاستعانة بعبدالله بن أريقط الدليل للطريق، وتوكل النبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى.
وأخيرا هناك العديد من الدروس والعبر على الأمة الإسلامية ان تستلهمها وتستفيد منها.
حب الوطن غريزة
ويضيف الشيخ خالد الخراز عن دعائم المواطن المتمثلة في الهجرة النبوية الشريفة فيقول: فطر الله سبحانه الإنسان على أمور عديدة منها حب المرء لأهله وأولاده وأصحابه وماله، وكذلك وطنه الذي عاش فيه وترعرع في أكنافه، فحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس تجعل المرء يستريح في البقاء فيه ويحن إليه إذا سافر أو غاب عنه، ويدافع عنه اذا هوجم ويغضب اذا انتقص منه.
وأضاف: والمواطنة في حب الوطن الذي يترجم بشكل عفوي الى سلوك إيجابي تجاهه من حيث خدمته والدفاع عنه، وقد كرّست الهجرة النبوية هذا الشعور النبيل كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: «ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» رواه الترمذي (2926) وصححه الألباني: «هذا الخطاب لمكة بعد ان أخرجه أهلها منها ولولا إخراجهم إياه لبقي فيها، لذلك وعده رب العزة سبحانه وتعالى بالعودة إليها كما قال سبحانه: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد).
غريزة في النفوس
وأكد الشيخ الخراز أن حب الوطن غريزة في نفوس الناس جميعا يدافعون عنه ويشرط الإسلام ألا يتنافى هذا الحب مع تعاليم الدين، وذلك لأن الولاء يجب ان يكون لله وحده، إن الأرواح تبذل في سبيله، وإن حب المسلم للوطن يكون بمقدار حب أهل هذا الوطن للإسلام، وبغير الإسلام يصبح الوطن مجرد أرض، وقد أحب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المدينة بعد إسلام أهلها، ولما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة قال: «هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه» رواه البخاري، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة وأوضع ناقته وإن كانت دابة حركها، قال الراوي: حركها من حبها، رواه البخاري، وقال ابن حجر: وفي الحديث دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه.
ولفت الشيخ الخراز الى أن حب الوطن يتمثل في حب الخير للأمة والسعي فيما يصلحها وإبعاد شبح أي خلاف أو نزاع يراد به تفريق كلمتها ولا تخرج الهجرة عن هذه المعاني الكريمة.
فالهجرة تؤكد حب الوطن، والمواطنة الصالحة هي ارادة الخير للناس وتتمثل في سلوك المسلمين الايجابي وحبهم لدينهم وبلادهم.
وأكد أن للهجرة دروسا كثيرة منها: ان الحب الحقيقي للوطن هو تأصيل العقيدة الصحيحة بمفهوم سلف الامة وترسيخها في الاجيال، حينئذ ينشأ جيل يؤمن أهله بخلو البلدان من مظاهر التكفير والبدع والمنكر، ان الحب الحقيقي للوطن هو نشر الفضيلة والعلم والخيرية، والوطنية الحقة عقيدة راسخة وقيادة راشدة وجيل يحب للناس الخير يتصف أهله بالرحمة والالفة والتكافل الاجتماعي.
أهمية المسجد
ويؤكد الباحث التربوي سليمان الرومي أن دروس الهجرة النبوية الشريفة دروس مطلوبة في كل زمان لأن عبرها غير محصورة بالظرف التاريخي الذي وقعت فيه وإنما هي نتيجة لعناية ربانية من جهة ولتجربة إنسانية راقية قدوة من جهة أخرى.
والهجرة عملية مزدوجة الجانب: «هدم وبناء» هي هدم لقيم الجاهلية الاولى، وبناء ضخم تركز على الانسان نفسه بتحريره من ربقة الخوف والخلود الى الدنيا.
ففي تطمين الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهو في شدة الخوف والكرب وفي عجز سراقة عن الوصول اليهما دليل على نبوة الصادق المصدوق، ومثل للصدق في الثقة بالله والاطمئنان الى النصرة والاتكال عليه.
وفي أول يوم عمله الرسول صلى الله عليه وسلم هو بناء المسجد يدلنا على أهمية المسجد في الاسلام وانه على مر التاريخ منطلق أهل الصلاح والخير لغمر الأرض بهداية الله ونوره.
وأيضا مؤاخاة الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية البناءة وأروع صور العدالة الاجتماعية، وما يؤكد أن الدولة الإسلامية قائمة على العدالة الاجتماعية في الكتاب الذي عقد فيه النبي صلى الله عليه وسلم الاخوة بين المهاجرين والأنصار والتعاون بين المسلمين وغيرهم.
التعاون على البر والتقوى
ويذكر لنا د.بسام الشطي أهم العبر من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: الهجرة النبوية حققت معاني عظيمة منها ان الله عز وجل جعلها مخرجا للانسان اذا أحسن الظن بالله وبذل السبب وعلم أن الفرج قادم، والهجرة بينت أن أرض الله واسعة ولا شك أن الأرض التي يولد فيها ويترعرع في ثناياها وأرض الآباء والأجداد هي أرض إسلامية محببة الى قلبه ويشعر بدفئها وانها جزء منه ويعمل على أن تكون لبنة طيبة ومفتاحا للخير ومغلاقا للشر، ويدعو الله أن يجعلها دار أمن وأمان ويحميها بحمايته، وأن يكون داعيا الى الوسطية وآمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، ونأخذ بأيدي بعضنا حتى لا تخرق السفينة، ونتعاون على البر والتقوى ولا نتعاون على الاثم والعدوان، وأن يكون كل منا خير سفير للاسلام.
وزاد: وندعو الله أن يحفظ البلاد والعباد وولي الأمر من كل سوء، وأن يعمل الكل بإخلاص وأمانة وصدق ويعمل بأسباب استقرار الدول وان ينتزع فتيل الأزمات والفتن والفوضى ويبعد الجميع عن ثقافة الكراهية والانتقام والعداوة.
وطالب د.الشطي الاسرة والمؤسسات التربوية والإعلامية بغرس قيمة حب الوطن والانتماء له في نفوس النشء حتى يتربوا منذ الصغر عليها وتكون ملازمة لهم في شبابهم فلا يقعون فريسة لأفكار تنحرف بهم عن المسار الصحيح.