تدهور الوضع الميداني بشكل غير مسبوق في العراق، ودخلت المواجهة بين المحتجين والسلطات منعطفا خطيرا بعد واحد من أكثر ايام الانتفاضة دموية. وخلافا للأيام السابقة حيث تركزت الاحتجاجات في العاصمة بغداد، شهدت مدينة الناصرية سقوط رقم قياسي من القتلى تجاوز الـ 24 وقرابة الـ200 جريحا.
ومن حيث أراد «استعادة النظام» في المناطق الجنوبية، بعد ساعات من اضرام المتظاهرين النار في القنصلية الإيرانية في مدينة النجف المقدسة، يبدو أن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي صب الزيت على نار الانتفاضة في مسقط رأسه باستعانته بالقادة العسكريين وتشكيل «خلية ازمة عسكرية» لادارة الملف الامني واستعادة زمام الامور، وتسليمه مسؤولية الملف الامني في الناصرية للفريق جميل الشمري الذي كان قائدا لعمليات البصرة خلال المظاهرات الدامية في صيف 2018.
وذكر بيان للجيش أن السلطات شكلت «خلايا أزمة» في عدة محافظات في محاولة لاستعادة النظام.
وجاء في البيان «تم تشكيل خلايا أزمة برئاسة المحافظين... تقرر تكليف بعض القيادات العسكرية ليكونوا أعضاء في خلايا الأزمة لتتولى القيادة والسيطرة على كل الأجهزة الأمنية والعسكرية في المحافظات ولمساعدة المحافظين في أداء مهامهم».
ونقلت رويترز عن مصادر طبية ان قوات الأمن العراقية قتلت بالرصاص 28 محتجا على الأقل أمس، فيما فرضت السلطات حظرا على التجول في مدينة النجف بعدما أحرق متظاهرون القنصلية الإيرانية فيها فيما قد يمثل نقطة تحول في انتفاضة على السلطات المدعومة من طهران. لكن الآلاف حظر التجول الذي اعلن في المحافظات الجنوبية وخرجوا في مواكب تشييع الضحايا.
واستخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت ضد المحتجين العزل. ورشق المحتجون قوات الشرطة بالقنابل الحارقة والحجارة.
ولقي ما لا يقل عن 24 شخصا مصرعهم عندما فتحت القوات النار على متظاهرين أغلقوا جسرا في مدينة الناصرية الجنوبية قبل فجر «الخميس الاسود». وقالت مصادر طبية إن عشرات أصيبوا أيضا بجروح. وسقط أربعة آخرون قتلى في العاصمة بغداد حيث أطلقت قوات الأمن الذخيرة الحية والطلقات المطاطية قرب جسر على نهر دجلة.
وشرارة التدهور بدأت بعدما أجج إضرام النار في القنصلية الإيرانية في مدينة النجف، في أقوى تعبير حتى الآن عن المشاعر المناهضة لإيران بين المتظاهرين العراقيين مع اتساع الهوة بين النخبة الحاكمة المتحالفة إلى حد كبير مع طهران وأغلبية عراقية يزداد شعورها باليأس إذ لا تتاح لها فرص تذكر ولا تحصل على دعم يذكر من الدولة.
وذكرت وسائل إعلام رسمية أن المصالح الحكومية والأعمال التجارية ظلت مغلقة أمس في النجف.
وقال محتج يدعى علي في النجف «إحراق القنصلية كان عملا شجاعا ورد فعل من الشعب العراقي.. لا نريد الإيرانيين». وأضاف «سيكون هناك رد انتقامي من إيران أنا واثق من ذلك، ما زالوا هنا وستواصل قوات الأمن إطلاق النار علينا». وأكد متظاهر آخر، شهد إشعال النار في القنصلية إن قوات الأمن فتحت النار في محاولة لمنع المتظاهرين من إحراقها.
من ناحيته، قال أبو مهدي المهندس القائد العسكري للحشد الشعبي وثيق الصلة بإيران، إن الحشد سيستخدم كامل قوته مع من يحاول الاعتداء على آية الله العظمى علي السيستاني أعلى المراجع الدينية الشيعية في العراق والمقيم في النجف. وقال في بيان نشر على الموقع الإلكتروني للحشد الشعبي «سنقطع اليد التي تحاول أن تقترب من السيد السيستاني». وتوقع مراقبون أن تؤدي الأحداث التي شهدتها النجف على الأرجح إلى رد صارم بدلا من دفع الحكومة لتنفيذ إصلاحات.
وقال ضياء الأسدي مستشار رجل الدين مقتدى الصدر، الذي يحظى بشعبية كبيرة، إن الحكومة لم تعلن أي خطة أو تذكر أي رواية واضحة للتدابير التي ستتخذها. وأضاف أن المبادرات ستكون شحيحة.
في المقابل، دانت ايران الاعتداء على قنصليتها في النجف مطالبة بغداد باتخاذ «اجراءات مسؤولة وحازمة ومؤثرة في الرد على المعتدين والمخربين».
وقال المتحدث باسم الخارجية الايرانية عباس موسوي ان بلاده ابلغت رسميا السفير العراقي لديها سعد قنديل احتجاج طهران «الشديد» بهذا الخصوص، مشيرة إلى مسؤولية الحكومة العراقية في حماية الأماكن والبعثات الديبلوماسية لديها.
كما اعربت وزارة الخارجية العراقية عن ادانتها الشديدة لما تعرضت له القنصلية الايرانية من اعتداء ممن وصفتهم بغرباء عن واقع المظاهرات العراقية الحقة.