المشروع النووي الإيراني، البرامج والقدرات الصاروخية، التموضع الإيراني العسكري في سورية، الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله في لبنان.. كلها عناوين وملفات مترابطة وبارزة في حسابات إسرائيل وتقديراتها الاستراتيجية للعام 2021، حيث تبرز إيران وحزب الله في صلب الهواجس الأمنية والحسابات العسكرية، وعلى رأس لائحة الأولويات الإقليمية.
تريد إسرائيل المضي قدما في خطط إحباط المشروع النووي الإيراني وتقويضه، وتقييد قدرات إيران على إنتاج صواريخ باليستية بعيدة المدى. وفي الموضوع السوري، أخذت إسرائيل قرارها بضرورة محاربة التموضع الإيراني العسكري. وإذا كان ثمة اكتفاء قبل سنتين بإبعاد القوات الإيرانية عن حدود وقف إطلاق النار مع إسرائيل في الجولان لمسافة 70 - 80 كلم، فإن مطلب إسرائيل بات اليوم يتجاوز الإخلاء ليصل إلى الانسحاب التام من سورية. وبالذات، إبعاد الميليشيات التابعة لإيران من الجنوب السوري تماما. وتعلن أن كل فرد من الميليشيات في هذه المنطقة وكل موقع، سيكون هدفا للتصفية.
والقصف الذي تنفذه إسرائيل في سورية يحتوي، كما تقول مصادر إسرائيلية، على رسالة يفهمها جيدا النظام السوري والقادة الإيرانيون وقيادة حزب الله أيضا، مفادها أن أي حراك أو استفزاز أو ضربة توجه لإسرائيل سيأتي الرد عليها أقسى بعشرات الأضعاف، وستكون موجهة إلى العناصر الثلاثة معا: الجيش السوري ومواقع الوجود الإيراني والمواقع التي تنطلق منها العمليات، على النحو الذي حصل في القصف الأخير في مطلع نوفمبر الماضي، إذ اكتشف لغم قرب الحدود مع إسرائيل فقصفت 7 أهداف داخل سورية، ما أدى لمقتل 11 شخصا، بينهم سوريون وإيرانيون.
حجم القلق يتعاظم داخل مؤسسة القرار الإسرائيلية من تطور القدرات الصاروخية الإيرانية ودخولها مراحل جديدة مع أجيال الصواريخ الدقيقة والجوالة والمسيرات الهجومية. وهناك قناعة بأن تطور قدرات المحور الإيراني في المنطقة سيتواصل في مسار تصاعدي كما ونوعا، ما يشكل تحديا استراتيجيا أكثر خطورة على الأمن القومي.
وهذا القلق بدأ يتعاظم في أعقاب استخدام إيران صواريخ «كروز» وطائرات مسيرة لمهاجمة منشآت «بقيق» النفطية السعودية، وقيام طهران بإرسال صواريخ باليستية الى حلفائها في العراق وسورية ولبنان، فضلا عن الطائرات من دون طيار «درونز». وهذا المنحى الجديد في التطورات والأوضاع يفرض على إسرائيل رفع مستوى جهوزيتها للتعامل مع هذا المستوى من التهديد على أنه حقيقة قائمة وتوجيه رسائل الى إيران وحزب الله تهدف الى ثني إيران عن الرد (على اغتيال العالم الإيراني فخري زاده) وإشعارها بأن إسرائيل مستعدة لمرحلة ما بعد الرد «بالرد المتدحرج».. وتهدف أيضا الى إنتاج قدرات دفاعية والقيام بتجارب صاروخية غير مسبوقة مصممة لمواجهة التهديدات الناشئة في المنطقة ولنزع زمام المبادرة الهجومية والعملانية من يد إيران وحلفائها.
إسرائيل التي تتقدم عندها حسابات سياسية استراتيجية في هذه المرحلة، لها علاقة من جهة بالتغيير الحاصل في الولايات المتحدة وانعكاسات ذلك على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وعلى العلاقات الثنائية، ولها علاقة من جهة أخرى بالانتخابات المبكرة التي تنبئ بإعادة رسم الخارطة السياسية في إسرائيل وظهور مراكز قوى جديدة، فإن إسرائيل تتحسب للاحتمالات العسكرية وسيناريوهات الحرب المقبلة، والتي ستكون متعددة الساحات.
وفي أحدث دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، جاءت هذه الخلاصة: المواجهة المقبلة ستكون ضد المحور الإيراني الذي أنشأ سلسلة داخلية متصلة من طهران إلى بيروت، تشمل بناء قدرات متنوعة لمهاجمة إسرائيل على نطاق واسع من الصواريخ والطائرات بدون طيار ووحدات حرب العصابات التي تتسلل إلى إسرائيل وتقتحم المستوطنات والمواقع الحيوية بالقرب من الحدود مع لبنان ومرتفعات الجولان المحتلة. والحرب المقبلة ستكون متعددة الساحات، بما في ذلك لبنان وسورية وغرب العراق، مع احتمال انضمام حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة.
والحرب المقبلة ستكون مختلفة في نطاقها وشدتها عن الحروب السابقة، حيث من المتوقع حدوث الكثير من الدمار في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بما في ذلك الأضرار التي قد تلحق بالأهداف الاستراتيجية في إسرائيل، لكن الدمار الأكبر سيكون في لبنان وسورية. في تقدير الخبراء الإسرائيليين أن الحرب المقبلة في الشمال ستكون مدمرة وصعبة، ويبدو أن أيا من الجانبين لا يريدها أن تندلع. وعلى الرغم من أن الأطراف لا تريد الحرب الآن، إلا أن تلك المواجهة ولعدة أسباب قد تندلع وتخرج عن السيطرة.