Note: English translation is not 100% accurate
الإسكندر وداريوس: صعود الإغريق ودمار الإمبراطورية الفارسية
13 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء


مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
صعود الإغريق ودمار الإمبراطورية الفارسية
الإسكندر قهر غريمهداريوس مرتين الأولى في إيسوس حيث لقنه درساً بفنون الحرب والثانية في جاوجميلا رغم الفارق العددي الهائل بين الجيشين
مات الإسكندر بالحُمى بعد أن بنى أضخم إمبراطورية في التاريخ
اغتيل داريوس الهارب من وجه خصمه على يد أحد خدامه
حوّل الإسكندر كل مدينة رفضت حكمه لبحر من الدم وحقق حلم والده بجمع المدن الإغريقية في دولة واحدة واجهت الفرس وقهرتهم
اغتر داريوس بالتفوق العددي لجيشه العرمرم فدفع ثمن غروره هزيمة نكراء
منذ نهاية القرن السادس بنى الفرس واحدة من أعتى امبراطوريات التاريخ امتدت من الهند الى الحبشة، ناهز عدد مقاطعاتها الـ 130 وعاشت على أمجاد قورش الكبير (قورش الثاني) الذي هابت الشعوب بطش جيوشه، فبلغ الفرس أيام حكمه أعلى درجات القوة، وحافظوا على حكمهم من بعده أكثر من قرنين وإن بسطوة أقل، اذ اضطروا لمنح بعض المقاطعات حكما ذاتيا حتى عرفت دولتهم بأنها «عملاق ضخم برجلين من طين» ومع ذلك لم تسلك دروب الانهيار إلا عندما واجهت الرجل المقدام الآتي من بلاد الإغريق: الإسكندر المقدوني.
في أوج حكم الفرس كان الإغريقيون موزعين على بلدان عديدة بعضها في تركيا يخضعون لأعدائهم الفرس والبعض الآخر في ايطاليا وصقلية وجزر اليونان وبحر ايجه وأغلبهم يقطنون في مدن ـ دويلات: أثينا، اسبرطة، طروادة، ومقدونيا وغيرها ونجدها لا تجمعهم سلطة سياسية مركزية، لكل مدينة حاكمها أو مليكها أو حتى نظامها المجلسي الخاص بها.
وكانت الغيرة مع الحسد عنوانين فظين للعلاقة بين تلك الحواضر التي ما تلبث ان تعقد المعاهدات حتى تنقلب عليها. وفي ظل هذه الصورة كان الرخاء والازدهار لدى الفرس من اسباب استنهاض الاغريق للخروج من حالة التشظي والانكسار. وفي القرن الرابع ق.م وتحديدا في العام 360 بلغ سدة الحكم في مقدونيا الملك فيليبوس القائد العسكري الفذ والشجاع الذي نظم جيشا قويا كان أولى الجبهات المتراصة القادرة على تهديد الفرس.
بالحوار والديبلوماسية حينا وبالحيل والحرب أحيانا أخرى تمكن فيليبوس من اخضاع مدن اليونان لسيطرته وأعلن الحرب على الفرس في 337 ق.م. غايته كانت بسط نفوذه على مضيق البوسفور والدردنيل وطرد اعدائه من سواحل تركيا لتأمين عبور القمح والمؤن من البحر الأسود الى المتوسط وبناء امبراطورية اليونان.
اغتيل فيليبوس في 336 ق.م. وكان نجله الأكبر الاسكندر بعمر الـ 20 حين خلفه، شجاعته وايمانه بمبادئ والده وتعاليم استاذه أرسطو جعلا ابناء شعبه يتعبدون له، ومن رفض حاكميته من مدن سعت لاستعادة استقلالها الذي حرمها منه والده كان مصيرها التحول الى بحور من الدم.
وضع الاسكندر حلم والده نصب عينيه، وفي ربيع 334 ق.م عبر البوسفور على رأس جيش قوامه 25000 جندي، تمكن خلال أقل من عام من بسط سلطته على آسيا الصغرى، وكانت انتصاراته الساحقة كفيلة بقض مضاجع الفرس وامبراطورهم داريوس الثالث (دارا الثـــالــث) حيث بلغته اصداء الشاب الذي ترتعد أمام شجاعته الأفئدة وزرع في نفوس اليونانيين الأمل في السيادة وتزعم العالم.
هنا ولدت الثنائية: القائد يتحدى القائد، والأمة تتحدى الأمة، والحضارة تنافس الحضارة، لم يكن هناك من شرق أوسط بالمصطلح الذي نعرفه اليوم ولكن هذا الشرق كان على موعد مع مواجهة سطرت حروفه ورسمت مساره.
تواجه جيشا الاسكندر وداريوس في «إيسوس» التي يُختلف على تحديد مكانها بدقة بين خليج الاسكندرونة واللاذقية في سورية مع ترجيح وجودها بالقرب من مصب نهر پيناروس في خليج الاسكندرونة حاليا، وكانت الغلبة للاسكندر، حيث فتك بالفرس وجيشهم العرمرم الذي يفوق جيشه عديدا بعشرة أضعاف بفطنته وحس القيادة العالي لديه وثقته الهائلة وحسه القومي النبيل.
فر داريوس ليجمع شتات جيشه مرة اخرى ويواجه الاسكندر الزاحف نحو بلاد فارس في جاوجميلا (قرب الموصل) حيث كان الموعد مع الهزيمة النكراء للمرة الثانية في 331 ق.م.
معركة إيسوس
بشهادة أشهر المؤرخين وأهم الخبراء العسكريين تمثل معركة ايسوس رغم المسحة الاسطورية والملحمية ونفحة الكبرياء التي عادة ما تروى بإطارها درسا في فنون التخطيط العسكري والجرأة في القتال والبسالة.
في زمن لم تكن فيه حاملات الطـــــــائــرات والقــــــــواعــد العســــــكريــة وسلاح الجو الفتاك أساس الحروب، كان انتشار الجيوش البرية وأسلوب انقضاضها هو الأساس للحسم والانتصار.
تحــــرك الاسكندر من موقعة الى اخرى متلاعبا بأفكار داريوس المبهور بالتفوق العــ ددي والمأخوذ بالوهم بأن خصمه الشاب يفر خشية مواجهته.
في إيسوس انقض جيش الاسكندر على اعدائه في توقيت مفاجئ: كان الفرس في وضعية متراخية على ضفة نهر، قاموا بتحصينها واغفلوا حماية الممرات المؤدية اليه بين الجبال والسهول، لم يعلموا بقرب وصول جيش الاسكندر إلا من أهالي المناطق المجاورة الذين فروا مذعورين امام جيش الاغريق الزاحف، ارتبك داريوس وطلب اجلاء المدنيين والنساء المرافقين للجيش الى الخلف ثم عقد سلسلة اجتماعات مع كبار قادته استعدادا للمواجهة.
تألفت قوات الاسكندر من تشكيلين رئيسيين: الميمنة وكانت بقيادته والميسرة بقيادة مساعده بارمينيون واحتشد على الضفة المقابلة للنهر ـ كما ذكرنا ـ الجيش الفارسي بقيادة داريوس.
وبدأت المعركة بهجوم يوناني بالفرسان عبر النهر في محاولة لاختراق الميسرة بقيادة بارمينيون. وكانت خطة الاسكندر تقضي بان تعمل الميسرة في هذه الحالة على امتصاص الهجوم الفارسي تمهيدا لقيامه شخصيا بقيادة قواته على الميمنة واختراق القوات الفارسية، وهو ما نجح في تحقيقه لكي يقود فرسانه بعد ذلك في هجوم مباشر على داريوس الذي لاذ بالفرار.
بعد سيطرته على إيسوس تقدم الاسكندر باتجاه سواحل فينيقيا (لبنان) وزحف نحو جزيرة صور التي حاصرها 7 أشهر دون أن تستسلم، فأمر جيشه بردم البحر لمسافة عشرات الأمتار بالصخور وجذوع الأشجار حتى تحولت صور من جزيرة الى شبه جزيرة بمساعدة سكان المدن ـ الدويلات الفينيقية الأخرى التي أخضعها قبلا ـ وبعدها دك أسوار المدينة بالمنجنيق، ودخلها وصب الزيت الحامي على المتمردين وقهرهم ثم زحف جنوبا نحو غزة وبعدها دخل مصر وأسس عدة مدن احداها حملت اسمه (الاسكندرية) التي وصلها في 332 ق.م، ويقول المؤرخون ان فتوحاته في افريقيا بلغت قرطاج في تونس. وفي بداية 331 ق.م قام بالحج الى معبد آمون ـ رع كبير الآلهة الذي يعرفه اليونانيون بـ «زيوس» ثم عاد شمالا نحو صور، حيث أعد جيشه مجددا وتوجه لمجابهة داريوس وعبر الفرات ودجلة وبلغ جاوجميلا (قرب الموصل) التي كان فيها الحسم، حيث لقن داريوس درسا آخر، مستفيدا من حالة الهلع التي اصيب بها الفرس منه، وكما في ايسوس طبّق الاسكندر استراتيجية جديدة تتمثل باجتذاب أكبر عدد ممكن من قوات الملك داريوس الى الجوانب بهدف فتح ثغرة بالوسط وتوجيه ضربة قاتلة للفرس. فر داريوس بعد المواجهة، ويروى انه ذبح فيما بعد على يد أحد خدامه، بينما تقول روايات أخرى انه مات بجرعة سم طلب لخادمه ان يقدمها اليه.
نهاية الإمبراطورية الفارسية
بعــــد جاوجمـــــيلا حاصر الاسكنــــدر بابل ومن ثــــم بيرسبوليس عاصمة الفرس التي احتلها وجمع ثرواتها كغنائم ثم أمر بحرقها إيذانا بانتهاء امبراطورية الفرس، ثم تابع مسيره شرقا نحو أفغانستان وآسيا الوسطى فالهند، حيث وصل البنجاب في 326 ق.م. وبعد هذه الفتوحات عاد الاسكندر الذي أصبح امبراطور اليونان والهند وفارس وشمال افريقيا الى بابل بحلول 323 ق.م، وفي شهر يونيو أصيب بحمى شديدة ومات تاركا واحدة من أعظم امبراطوريات التاريخ، الذي فرض نفسه كأحد أعظم اباطرته على الاطلاق.
المواجهة بين الاسكندر وداريوس هي مواجهة بين أضخم قوتين في العالم، ومن هنا اكتسبت أهميتها التاريخية على مدى القرون، كان الاسكندر بحاجة ليهزم داريوس كي يحفر صورته الناصعة في ذاكرة الأجيال.
معاملة ملكية حسنة
بنهاية معركة «إيسوس» التي راح ضحيتها 05 ألف قتيل من الفرس و5 آلاف من اليونانيين، عامل الاسكندر عائلة داريوس الأسيرة معاملة تليق بأسرة ملكية لكنه رفض فدية من الذهب لاطلاق سراحهم كما تقول الروايات.
لعنة كاريداموس
تقدم الامبراطور الفارسي داريوس جيشه بنفسه بناء على مشورة كبار مستشاريه الذين اخبروه بأن وجوده كفيل بإلهاب مشاعر جنوده، ولم يكن يعلم ان النهاية ستكون سقوط والدته وزوجته وابنائه في الأسر وانه سيسارع الى دمشق لانقاذ ما تبقى من ثرواته، وانه سيندم أشد الندم لأنه أمر بضرب عنق كاريداموس الاغريقي الذي قاد جيوش المرتزقة من أصول إغريقية ضد الاسكندر لصالح الفرس، لأنه قال يوما انه «من الأفضل للفرس ان يبقوا بعيدا ينعمون بأثواب الذهب والارجوان البراقة دون ان يزعجوا جيوش المتعاونين معهم ويفرضوا ملاحظاتهم التافهة عليها ونحن كفيلون بحمايتهم»!
كيف لا وكانت اخر كلمات كاريداموس قبل ان يلقى مصيره الأسود: ان اعدامي بداية النهاية يا داريوس!
وتقول بعض الروايات ان الاسكندر طارد داريوس الهارب بعربته الملكية لساعات عدة بعد انهيار جيشه لكنه لم يستطع القبض عليه وقرر التوقف عن مطاردته مع حلول الظلام.