Note: English translation is not 100% accurate
أوروبا يضعف فيها الأمن... ويقوى التطرفتحليل إخباري
«11 أيلول البلجيكي»: «كيف تحولت بروكسل إلى عاصمة لـ «التطرف والإرهاب»؟!
24 مارس 2016
المصدر : الأنباء - بيروت
لكل بلد «11 أيلوله» بأشكال وأحجام متفاوتة، ما حصل في 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة حصل مثله في 12 نوفمبر 2015 في باريس، وفي 22 مارس 2016 في بروكسل التي حط فيها الإرهاب رحاله ووجه إليها ضربة عنيفة قلبت حياتها والمشهد اليومي رأسا على عقب، هذه المدينة الآمنة الوادعة الصغيرة نسبيا بحجمها، المتنوعة بمكوناتها الاجتماعية والثقافية، تحولت في لحظات الى مدينة رعب وحزن وإحباط وغضب وشلت فيها كل مظاهر الحياة وكل المرافق العامة، خصوصا مرافق النقل والمواصلات، لتصبح مدينة معزولة عن العالم ووجها لوجه أمام الإرهاب يفتك بأمنها ويدخلها في دائرة الخوف الشديد لأن الخطر ماثل والخلايا نائمة والعمليات الانتحارية واردة في كل لحظة.
في كل مرة يضرب الإرهاب في بلد أوروبي، كما سبق أن حصل في مدريد ولندن وباريس والآن في بروكسل، تتكرر المواقف والمشاهد نفسها: إعلان حالة طوارئ أمنية ورفع حال الاستنفار والجاهزية الى الدرجة القصوى، والقول إن ما بعد هذه الضربة الإرهابية لن يكون مثل ما قبلها، وفتح أبواب النقاش والجدل حول المسائل ذاتها: أمن أوروبا، المهاجرون، مسألة الاندماج، التطرف الديني، مزيد من القيود والإجراءات الأمنية ومزيد من القوانين المتشددة ولو على حساب الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
في الواقع، دخلت أوروبا في النفق وفي أخطر أزمة تواجهها منذ الحرب العالمية الثانية، حتى أن مستقبلها كـ «اتحاد أوروبي» بات في خطر، أوروبا في المأزق وفي «الدوامة» وترزح تحت هاجسين وخطرين: هاجس وخطر اللجوء والهجرة غير الشرعية مع تدفق مئات الألوف وموجات بشرية آتية من الشرق الأوسط عبر تركيا التي عرفت كيف تبتز أوروبا وتمسكها من نقطة ضعفها ووجعها وتقايض «الأمن بالمال»، وهاجس وخطر الإرهاب الذي صار في داخل أوروبا يمتلك الخلايا والبنى التحتية، وأيضا حرية الحركة والتنقل في وضح النهار وفي مرافق حيوية وحساسة، مخترقا بسهولة النظام الأمني الأوروبي غير المهيأ لخوض هذا النوع من الحروب ضد إرهاب انتحاري يصعب كشفه واستباقه، ويصعب وقفه ومنعه.
أوروبا تتغير. الدماء في شوارعها، الخوف على وجوه مواطنيها، ليس الأمن وحده هو الضحية وإنما أيضا النسيج الاجتماعي والثقافي ومنظومة القيم الثقافية والحضارية، لغة التطرف تعلو وتسود.ليس فقط التطرف عند أفراد جذبتهم دعاية «داعش» وعند جماعات مهمشة ومحبطة اجتماعيا، وإنما أيضا التطرف عند أحزاب يمينية وجدت في الموجة الإرهابية المرعبة فرصة سانحة لتأجيج العداء للمسلمين والعرب والمهاجرين واللاجئين، ولنعي إمكانية التعايش مع جماعات وأحياء غير قادرة على الاندماج في المجتمعات الأوروبية وتحولت الى مصنع ينتج ويفبرك إرهابيين. إن السؤال الذي يقض مضجع الأوروبيين هو: كيف لمواطن فرنسي أو بلجيكي ولد وترعرع في فرنسا أو بلجيكا أن يتحول الى آلة قتل وإرهاب ضد دولته ومواطنيه؟! وهذا السؤال محير والإجابة عنه صعبة، ولكنه يعكس أزمة عميقة تواجهها أوروبا ولم يعد بالإمكان تجاهلها وطمسها بعدما أخرجها الإرهاب الى العلن.
الجاليات العربية والإسلامية تدفع الثمن لتكون من ضحايا هذا الوضع الجديد الذي يضع حياتها ومستقبلها في خطر مع طغيان مشاعر العنصرية والكره والخلط الحاصل بين الإسلام الحنيف والإرهاب.وليس قليلا أن برونو لوميير، أحد المرشحين عن اليمين الديغولي للرئاسة الفرنسية قال في برنامج تلفزيوني يوم السبت الماضي: «ان هناك مشكلة في الإسلام في فرنسا.وتابع انه لو وصل إلى الرئاسة سيبعد فرنسا عن ارتباطها القوي ببعض الدول العربية والمسلمة». فالخلط يجري على جميع المستويات السياسية وأيضا الشعبية وهذا طبيعي في مثل هذه الظروف التي لا يعرف أحد كيف يتعامل معها.
أوروبا مذعورة، التطرف يقوى فيها والأمن يضعف ويتلاشى، أوروبا لم تعد آمنة لسكانها ولم تعد ملاذا آمنا للمهاجرين والمقيمين، لم تعد مقصدا سياحيا مفضلا ولا وجهة استثمارية جاذبة، «القارة العجوز» تبدو عليها علامات العجز في مواجهة الإرهاب الكامن فيها، أوروبا كانت متفرجة على الإرهاب الذي اجتاح الشرق الأوسط ولم تعد على مقاعد المتفرجين وإنما أصبحت في ساحة المواجهة وطرفا أساسيا فيها ومتهمة بالعجز بعدما كانت تتهم غيرها بالتقصير والتخاذل.
ما جرى في بروكسل في «الثلاثاء الأسود» يفوق خطورة ما جرى في باريس قبل أشهر معدودة. فالاختراق الأمني حصل في أهم المرافق الحيوية (المطار والمترو في نقطة غير بعيدة عن مقر المفوضية الأوروبية)، والعملية كشفت عن إعداد وتخطيط لضرب عصب البلاد وشلها وإفزاعها، وعن خطط معدة وعن وجود خلايا نائمة جاهزة للتنفيذ والرد السريع على توقيف أحد رؤوسها أو كوادرها (صلاح عبدالسلام) أحد المخططين لهجمات باريس والمقيم في بروكسل، والأهم ما كشفته هجمات بروكسل وباريس عن وجود ترابط بين أمني العاصمتين وشبكاتهما الإرهابية. والسؤال الذي يطرح بإلحاح: لماذا بروكسل هي الخاصرة الأمنية الرخوة في أوروبا؟! لماذا عاصمة الاتحاد الأوروبي ومقر مؤسساته تحولت الى عاصمة للجماعات الإسلامية المتطرفة وهدفا للإرهاب؟!
عن هذا السؤال يجيب خبراء ومتخصصون في شؤون الإرهاب والتطرف وفي شؤون بلجيكا وأوضاعها الداخلية، مركزين على النقاط التالية:
1 ـ بلجيكا مركز للتطرف والعنف. ولكن ثمة عدد من الأسباب لتمركز النشاط الراديكالي في هذه الدولة الصغيرة.منها وجود أقلية مسلمة فقيرة، وارتفاع نسبة البطالة بين الشباب وسط هذه الأقلية، وسهولة الحصول على الأسلحة، وتطور وسائل الاتصال والتنقل عبر البلد، بالاضافة الى النقص في الموارد البشرية في الأجهزة الأمنية، وعدم الاستقرار الداخلي. ولعل خصوصيات بلجيكا (الدولة المتواضعة أمام الدول التي تحيط بها)، ساهمت في ارتفاع مستوى هشاشة واقعها الأمني. وتشتمل تلك الخصوصيات، تحديدا، على ضعف الاستقرار السياسي فيها الذي يعززه نظام فيدرالي فرضه الأمر الواقع، نظرا إلى انقسام البلاد على المستوى الثقافي بين 3 مناطق، وبحسب ما ذكرت صحيفة «الغارديان» البريطانية.
وبلجيكا مثل سائر الدول شهدت انتشارا لإيديولوجيا العنف عبر قنوات التواصل الاجتماعي التي إذا لم تكن تشجع مباشرة على ممارسة العنف فإنها ساهمت في نشر مشاعر الكراهية وعدم التسامح ونظرة شديدة المحافظة.ومع صعود تنظيم «داعش» وجدت هذه الطموحات مخرجا، حيث سافر ما يقرب من 500 مواطن بلجيكي إلى سورية والعراق خلال النزاع الأخير، وانتهى بمعظمهم المطاف إلى القتال مع «داعش»، مما جعل البلد أكبر مصدر معروف للمقاتلين الأجانب في أوروبا.
2 ـ تشكل ضواحي بروكسل التي تضم أعدادا كبيرة من مهاجرين يعانون إزاء ضعف سياسات الدمج مادة دسمة لوسم تلك المناطق بأنها «بؤر إرهابية، وتبرز خصوصا ضاحية مولينبيك حيث اعتقل صلاح عبدالسلام، وهي منطقة في شمال غرب بروكسل، ويقطنها نحو 100 ألف نسمة كمنطقة قلق خاص، وصلاتها بالجماعات المتشددة معروفة منذ وقت طويل. وبدت المنطقة الواقعة على القناة ليست بعيدة عن عدد من أرقى مناطق بروكسل، في الامتلاء بالمهاجرين الأتراك والمغاربة قبل نحو 50 عاما.غير أنه وبينما شهدت المنطقة بعض مستويات التحسن في السنوات الأخيرة، إلا أنها تبقى على نقيض حاد مع عدد من المناطق القريبة والأكثر ثراء من المدينة: تقدر البطالة بأكثر من 40% وهناك الكثير من المحال التجارية في حالة سيئة ويرثى لها في المنطقة.وكثيرا ما يجد أولئك القادمون من خلفيات مهاجرة أنفسهم في وضع غير تنافسي في سوق العمل، إذ يتحدثون الفرنسية أو العربية فقط، في حين تتطلب الكثير من الوظائف في المدينة معرفة بالفرنسية والفلمنكية أو الهولندية وأحيانا الإنجليزية.
3 ـ منذ بداية العام 2000، فتحت بلجيكا بابها على مصراعيه أمام قوافل المهاجرين، أكثر بكثير من فرنسا والمملكة المتحدة، من دون التدقيق فيمن يدخل أراضيها. تشكلت أحياء فقيرة فيها، وتمركزت جميع التيارات المتشددة تقريبا في بروكسل.عندها أصبحت عاصمة أوروبا، بالإضافة الى لندن، عاصمة الإسلام السياسي الأوروبي.كما غابت الرقابة عن المساجد غير المعترف بها، وتم إعطاء حق اللجوء لمتطرفين خطرين.
وفي غضون سنوات، ازدادت الحوادث من دون أي استجابة من السلطة، وحين كانت تستجيب، كانت تفرض مجرد عقوبات رمزية.فقد ظهر المبشرون المتطرفون في المساجد، وتعالت التعاليم المناهضة لحقوق المرأة، وتعرض الشباب غير المسلمين للنبذ، وأصبحت المدارس العامة مسلمة بنسبة 100% تقريبا، وتم رفض استكمال البرامج الدراسية، وازدادت معاداة السامية.
تم إنكار هذه الحوادث والانحرافات وانتهاكات الحريات والحقوق والتقليل من أهميتها واعتبارها أخطاء فردية من دون معرفة أنها تمهد الطريق لموجة عارمة ستضرب البلد بكامله. عند بلوغ درجة معينة من الهجرة، تصبح الطائفية أمرا لا مفر منه، وتعتبر هذه الظاهرة الأرض الخصبة للتطرف والإرهاب، لأنه غالبا ما يكون الإرهابيون من أبناء البلد.لقد تم الإسراف في إعطاء الجنسية البلجيكية بعد إقامة تدوم 3 سنوات فقط في البلد.لذلك تم إنشاء طبقة من أشخاص منتخبين يتحملون المسؤولية تجاه جماعتهم. في منطقة بروكسل يفرض انتخاب البلجيكيين من أصل أجنبي رهانا انتخابيا كبيرا. فبعض المنتخبين يحدثون فجوة كبيرة بين القيم الأوروبية والأعراف أو سياسة بلدهم الأصلي.
خلقت جميع هذه العوامل مناخا ملائما لبروز تيارات متطرفة تأخرت بروكسل كثيرا في مواجهتها.تحاول حكومة شارل ميشال أن تصحح الوضع، إلا أنه قد فات الأوان. ففي بلد فيدرالي تملك فيه بعض الجماعات قدرات كبيرة (على مستوى التعليم والدمج والطوائف ونشر التطرف)، أصبح التحرك صعبا الآن.
في الواقع، خلال السنوات الـ 20 الماضية، كانت شبكات بلجيكية قد انخرطت في اعتداءات إرهابية كبيرة، أهمها، اغتيال القائد أحمد شاه مسعود في أفغانستان قبل يومين من اعتداءات 11 سبتمبر 2001، اعتداءات مدريد عام 2004 وأخيرا «خلية فيرفيس»، اعتداءات على القطار السريع «تاليس»، وبالطبع اعتداءات باريس.وتعتبر سيدة بلجيكية اعتنقت الإسلام المرأة الأوروبية الأولى التي فجرت نفسها عام 2005 في العراق.وخلال العام الماضي عقدت في أنتويرت محاكمة لـ 40 شخصا من أعضاء «شريعة بيلغيوم» (Sharie4Belgium) وهي منظمة تدعو الى تحويل بلجيكا دولة إسلامية تحكمها الشريعة.ومنذ بداية عام 2016، بدأ التحقيق في 60 ملفا إرهابيا جديدا، وهذا يشير الى وخامة المشكلة التي تواجهها اليوم السلطات البلجيكية بسبب غض النظر عن بعض الوقائع، والتسامح المفرط خلال 20 عاما.
«كل الطرق تقود إلى بروكسل». بهذه العبارة وصف تقرير نشر في إحدى الصحف الغربية قبل أشهر مسار التحقيقات في الاعتداءات التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر الماضي. قبل ذلك، لم تكن العاصمة البلجيكية بعيدة عن الشبهات بوجود عدد من الشبكات الإرهابية فيها، بل كان البعض يذهب إلى وصف بروكسل بأنها «ملتقى طرق الجهاديين» في القارة الأوروبية.بالطبع إن أوروبا بكاملها معنية بتحدي الإرهاب، إلا أن المشكلة متجذرة في بلجيكا التي وصفتها قناة الـ «سي أن أن» بالعاصمة اللوجيستية لـ «داعش».