ذهب الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح وترك الغموض الذي رافقه طوال حياته يلف مقتله، فمن بين الروايات المتعددة لتصفيته، نشر «العربي الجديد» ما قد يكون الرواية الأدق لقتله على يد الحوثيين (جماعة أنصار الله) في الطريق الفاصل بين العاصمة صنعاء وسنحان مسقط رأسه جنوب شرقي العاصمة نتيجة خيانة حصلت ضمن فريقه الأمني، وذلك بعد أن أحكم الحوثيون حصار منزله في منطقة حدة، وكان برفقته بعض قيادات حزبه مثل الأمين العام للحزب عارف الزوكا، والأمين العام المساعد ياسر العواضي والقائد العسكري محمد القوسي.
ويروي مصدر قريب من صالح بحسب «العربي الجديد» تفاصيل الساعات والدقائق التي سبقت قتله، ويقول إن صالح كان موجودا في البيت المجاور لمركز الكميم، وهو مركز تجاري في شارع حدة في منطقة الحي الديبلوماسي، حيث منازل غالبية المسؤولين وقيادات حزب المؤتمر. ودارت معارك شرسة في شارعي صخر والجزائر، وسقط الكثير من القتلى الحوثيين. لكن صالح وفريقه تأكدوا أن مسلحي جماعة الحوثي سيصلون عاجلا إلى منزله لعلمهم أنه موجود هناك.
عندها، بحسب الرواية نفسها، قرر صالح الخروج من خلال نفق سري بموكب صغير بعد أن وضعت الشعارات الخاصة بالحوثيين لغرض التمويه وعدم لفت الانتباه، وذلك بناء على اقتراح ضباط في فريق حراسته للتوجه إلى سنحان، وليس إلى مأرب مثلما تردد إعلاميا امس الأول. ويؤكد المصدر أن من اقترح على صالح الخروج نحو سنحان كان هو الذي غدر به وأعطى المعلومة للحوثيين الذين أعدوا كمينا محكما على الطريق، حيث حوصر ورفاقه وجرت تصفيتهم بالكامل.
ويشير المصدر، الذي فضل عدم نشر هويته، إلى أن صالح «تعرض للخيانة وكان يستطيع الخروج عن طريق الأنفاق المتعددة إلى مناطق أكثر أمنا داخل العاصمة، إلا أن القيادات العسكرية والأمنية المكلفة بحمايته وحراسته خانته».
أما الفيديو الذي نشر لمسلحي «أنصار الله» يعرضون جثة صالح، فإن ملاحظات عديدة يمكن استنتاجها منه ومن الصور الفوتوغرافية الأخرى، إذ إن إعلان مقتله بعد ظهر امس الأول بالتزامن مع نشر الفيديو على الإنترنت يبين أن الفيديو سجل قبل بساعات. حينها كانت الشمس لم تزل مائلة من جهة الشرق، ولم تتعامد وسط السماء. بدليل الظل الذي يظهر وراء المسلحين.
ومن منظر وجه صالح والفتحة الواسعة في جانب رأسه الأيمن من دون أي دماء أو خدوش، فالجزم بأن الفيديو قد سجل بعد قتله مباشرة غير وارد، بل يرجح أن التسجيل حدث بعد وفاته بساعات على الأقل، فالوجه أيضا بدا شاحبا بشكل كبير. كما أن الفيديو لم يظهر أي اشتباكات لحظة إخراجه من سيارته المدرعة، التي كان يستقلها عند قتله حسب رواية الحوثيين، فقد اقتصر المشهد على لحظة وضعه على ظهر سيارة مكشوفة، ملفوفا بشكل غير مكتمل ببطانية ليس فيها أي آثار للدماء أيضا.
وكذلك الفتحة الكبيرة في رأسه من دون دماء، ترجح أنه تعرض لها بعد قتله، بخلاف نزيف الدماء من جسده عبر فتحات الطلقات النارية في الصدر والبطن، فثيابه مليئة بآثار الدماء في منطقة الصدر والبطن فقط، وبالتالي فقد نكل بجثته بعد موته، تحديدا في رأسه.
وحسب تسجيلات صوتية نشرها شهود عيان، فإن السيارات التي تعقبت موكبه بلغت قرابة عشرين سيارة. تسجيلات أخرى نشرها شهود عيان افتراضيون لم يكن ممكنا التأكد من حقيقتها، تحدثت عن سبع سيارات فقط، بينما أظهر الفيديو سيارة واحدة بحضور رجال إلى جانب الطريق الذي قيل إنه قتل فيه، حيث لم تظهر الكثير من المعالم ليجري الاستدلال بها إلى حقيقة المكان. لكن المشترك في التسجيلات المتداولة أنها صورت في منطقة ضبر خيرة جنوب شرق العاصمة وهي تتبع إداريا لمديرية سنحان.
أما عن قرار التصفية، فيبدو أنه اتخذ في وقت مبكر، وهو ما دفعه للاشتباك مع جماعة الحوثي من دون استعداد كاف، كي لا يظهر بمظهر الجبان. أو يحقق انتصارا سياسيا على الأقل يكسب به الوقت حتى تحدث تدخلات من قبل التحالف العربي أو غيره، لكن جماعة الحوثي بدورهم كانوا على علم بإعداد المواجهة، حسبما قال زعيمهم عبد الملك الحوثي، وبالتالي كثفوا مضايقاتهم له حتى يستفز ويدخل المعركة قبل أن يكمل استعداداته.
وأظهرت طريقة تعامل المسلحين مع جثة صالح معالم ثأر كبيرة، فخاطب أحدهم جثمانه بأن «دم سيدي حسين ما يضيع هدر» في إشارة إلى أن مقتله جاء انتقاما لمقتل مؤسس الجماعة حسين بدرالدين الحوثي في 2004، مع ترداد الصرخة المعروفة بالشعار «الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لليهود، النصر للإسلام».