شكلت الغارة الإسرائيلية على مطار "تي فور" السوري حيث تتواجد قوات إيرانية وروسية "مفاجأة" لسببين: الأول: أن الأنظار كانت تتجه إلى الولايات المتحدة بعد رد فعلھا العنيف على ما اعتبرته "ھجوم النظام السوري بالسلاح الكيميائي على دوما" وتھديدھا الصريح بالرد. والتوقعات كانت تدور حول ضربات أميركية صاروخية شبيهة بتلك التي استھدفت العام الماضي مطار "الشعيرات" ردا على استخدام السلاح الكيميائي في "خان شيخون"... ولكن الضربة العسكرية التي انتظرھا الجميع من الأميركيين جاءت من الإسرائيليين الذين أحاطوا واشنطن علما بهذه الغارة "المنسّقة".
الثاني: أن إسرائيل التي مارست سياسة انكفاء ووقف الغارات منذ شباط الماضي بعد سقوط طائرة حربية لھا فوق الجولان، تعود إلى سياسة الھجوم وتستأنف الغارات غير آبھة بالرد السوري أو الإيراني، متجاوزة حادثة إسقاط طائرة "أف ١٦ " ومخالفة التوقعات التي كانت تشير إلى حذر مستجد لديھا في ضوء قواعد الاشتباك الجديدة.
أما الأسباب (وضمنا الأھداف) التي دفعت إسرائيل إلى تنفيذ ھذا الھجوم الجوي الجديد، وانطلاقا من الأجواء اللبنانية، فھي:
١-الاستراتيجية الإسرائيلية في سوريا التي حددت التواجد أو التمركز الإيراني العسكري خطا أحمر ولا يمكن القبول به أو السكوت عن عملية تعزيزه وتقويته وتحوله إلى وجود ثابت ودائم ومستند إلى قواعد عسكرية وجوية... ولذلك فإن ضرب مطار "تي فور" كان الھدف المباشر فيه التواجد الإيراني في ھذه القاعدة العسكرية ما أدى إلى مقتل عدد من
الإيرانيين بينھم ضابط برتبة عقيد في الحرس الثوري الإيراني... ومن الواضح الآن أن إسرائيل تجاوزت في سياسة الخطوط الحمر الخط الأحمر السابق والمحدد بمنع نقل أسلحة نوعية وكاسرة للتوازن الاستراتيجي إلى حزب لله في لبنان، وباتت تركز على مسألة التمركز الإيراني في سوريا، وخصوصا على حدودھا قرب الجولان، سيما وأن التطورات
الميدانية الأخيرة لمصلحة النظام في الغوطة الشرقية تنبئ بقرب نقل معركة التمدد والحسم في اتجاه المنطقة الجنوبية المحاذية لإسرائيل من القنيطرة وحتى درعا.
٢-الرسالة العسكرية المباشرة التي ترسلھا إسرائيل عبر ھذه الغارة وفحواھا أنھا لا تقبل بتغيير قواعد الاشتباك ووقف الغارات في ظل وجود احتمال الرد عليھا، وأنھا ستواصل ھجماتھا الجوية أيًا تكن المحاذير والمخاطر... وھذا يعني العودة الى الوضع الذي كان قائما قبل فبراير الماضي عندما وقع الاصطدام الجوي بين إسرائيل وإيران إثر ھجوم
على مطار "تي فور"، وكان من نتائجه وقف إسرائيل لغاراتھا وإجراء مراجعة عامة للموقف، لتعود بعد شھرين الى استئناف الغارات والإعلان عن بقاء زمام المبادرة في يدھا، وأنھا ھي من تحدد قواعد اللعبة في سوريا، وأيضا في غزة، حيث تشن غارات في العمق من دون أن تلقى الرد من حماس.
٣-الجو الدولي المؤاتي لشن ضربات جديدة في ظل عودة أجواء التعبئة ضد النظام السوري وضد الدولتين الداعمتين له إيران وروسيا. فسارعت إسرائيل الى اقتناص ھذه الفرصة والى الدخول مجددا على الخط السوري من ثغرة الموقف الدولي المتأجج والمستنفر من جديد، والموقف الأميركي المربك والضائع بين "استراتيجية انسحاب
وتكتيات رد موضعي ومحدود".
٤-"قمة أنقرة" التي جمعت قادة روسيا وإيران وتركيا وولدت القلق والاستياء لدى إسرائيل التي فھمت ھذا الاجتماع الثلاثي على أنه أعطى إيران الدعم والتأييد لبقائھا في سوريا، وأكد على الانحياز الروسي لإيران، وعلى الانحياز التركي للمحور الروسي الإيراني...
توصلت إسرائيل الى نتيجة وقناعة بأن الرھان على دور روسي مانع للنفوذ الإيراني في سوريا ھو رھان في غير محله والروس يساعدون الإيرانيين على تثبيت وجودھم ويتصرفون من خلفية أنھم غير معنيين بأمن ومصالح إسرائيل وبضرر وخطر إيران عليھا... ولكن إسرائيل تدرك بالمقابل أن موسكو مثلما ھي غير مستعدة لكبح جموح وطموح إيران في سوريا، غير مستعدة أيضا للجم إسرائيل وثنيھا عن توجيه ضربات وغارات ضد أھداف إيرانية، وھذا ما يتيح لھا ھامش تحرك عسكري جوي... ولكن القناعة الإسرائيلية الثانية التي لا تقل أھمية ھي أن إدارة ترامب لا تملك حتى الآن استراتيجية واضحة ونھائية في سوريا، وتبدو ميالة الى الانسحاب أكثر من التورط، ولكن ثمة تقاطعات حاليا ضد إيران وحزب لله وغطاء أميركيا لضربات من ھذا النوع... وفي النتيجة، أدركت إسرائيل أن عليھا أن تأخذ أمورھا وتؤمن مصالحھا بيدھا، وأن لا تنتظر شيئا مھما من الولايات المتحدة أو روسيا. شھر العسل مع الروس شارف على نھايته، واستدراج الأميركيين الى حرب واسعة في سوريا غير ممكن...