عندما «يُبكّر» الرئيس نبيه بري في الذهاب الى قصر بعبدا ليلتقي الرئيس ميشال عون «ويُصبّح عليه»، هذا يعني أن بري يستشعر وجود أزمة باتت تهدد الحكومة فعلا في استقرارها واستمرارها.. وعندما يذهب الرئيس سعد الحريري في إجازة خاصة ومباغتة الى الخارج، هذا يعني أنه «مستاء» ويعبر عن ضيق سياسي لديه بهذه الطريقة.
ما حدث أن أحداث الجبل الأمنية تطورت الى أزمة سياسية، وأن المشكلة التي بدأت بين وليد جنبلاط وطلال إرسلان يمكن أن تنتهي بين الحريري وعون، وأن الحكومة التي صممت على أساس أن تكون الحكومة الثانية والأخيرة في عهد الرئيس عون وتستمر حتى نهايته مهددة جديا في حال لم يصر الى احتواء التداعيات السياسية الناجمة عن حادثة قبرشمون، وحيث وصل البعض الى التلويح بأوراق محظور استخدامها وتمس الخط الأحمر، أي الحكومة.
يُقال إن الحريري أبلغ بري أنه لا يمكنه الاستمرار على هذه الحال وهذه الطريقة في إدارة الأمور، بعدما أدت أزمة الجبل الى تعليق جلسات الحكومة حتى لا تنفجر من الداخل، ما يضع كل خطط الحكومة لإنهاء الموازنة وكسب ثقة المجتمع الدولي وتدفق أموال «سيدر» في مهب الريح.. ويقال أيضا ان بري لمس توجها عند جنبلاط الى طرح ورقة استقالة وزرائه من الحكومة في حال توجهت الحكومة الى إحالة أحداث الجبل على المجلس العدلي.. ويعرف بري تماما أن الأزمة التي باتت مختصرة حاليا في عنوان «الإحالة» الى المجلس العدلي وضعت البلاد في مأزق فعلي وتوجب التحرك قبل فوات الأوان لسحب الصاعق المفجر وعدم الوصول الى التصويت في مجلس الوزراء. فلا يمكن لهذا التصويت إذا حصل أن لا يكون لمصلحة موقف رئيس الجمهورية، ومن غير المتوقع ولا الجائز أن «ينكسر» الرئيس عون في هذه المبارزة مع جنبلاط، لأن ذلك سيكون بمنزلة نقطة تحول في مسيرة العهد ومؤشر ضعف، وفي المقابل نقطة استقواء لدى جنبلاط الذي سيشجع غيره على أن يحذو حذوه.. في حين أن أي قرار في مجلس الوزراء لإحالة القضية الى المجلس العدلي سيكون بمنزلة انكسار لجنبلاط ومدخل الى اختلال التوازن السياسي في الحكومة في حال تضامن معه وزراء القوات اللبنانية، ليجد الحريري نفسه في موقف محرج، وأن من الصعب عليه أن يتجاهل هذا المعطى الحكومي الجديد الذي يضعه في موقع المستفرد لاحقا.
لأن الأمور بلغت هذا الحد، وجد الرئيس بري أنه لابد من أن يأخذ الأمور بيده ويلقي بثقله ويتوجه الى قصر بعبدا، لأن مفتاح الحل للأزمة في يد الرئيس عون. وما يقترحه بري هو تجاوز مسألة الإحالة الى المجلس العدلي وتقديم المعالجة السياسية التي تتضمن في ترتيباتها زيارة جنبلاط الى قصر بعبدا.
الرئيس ميشال عون الذي يرى أن الوضع بحاجة الى معالجة أمنية ـ قضائية ـ سياسية متكاملة، لديه انزعاج شديد من جنبلاط لأنه لم يلتزم ما وعد به لجهة تسليم المطلوبين، ومن سلمهم لا علاقة لهم بما حدث، ولأنه تصرف من خلفية المنتصر ومن نجح في إرباك العهد وتسجيل نقطة عليه، ويحاول استثمار ما جرى سياسيا من خلال حشد أكثرية حكومية معه واستقطاب التأييد المسيحي لعزل الوزير جبران باسيل، أو من خلال «تدويل المشكلة» عبر لقاءات طلبها مع سفراء الدول الخمس الكبرى.
الأوساط القريبة من قصر بعبدا تعتبر أن ما يجري الآن مع الرئيس عون كان جرى مثله مع الرئيس إميل لحود عندما تحين المعترضون على انتخابه رئيسا للجمهورية بدعم من دمشق، الفرصة ووجهوا ضربتهم بعد سنتين من خلال انتخابات عام 2000. وحاليا يحاول المعترضون على انتخاب عون رئيسا بدعم من حزب الله تسديد ضربتهم من خلال جنبلاط والجبل.. أما أوساط حزب الله التي تعتبر أن ما حدث في الجبل لم يكن قليلا ولا عابرا وأن أمورا تكشفت في الأيام الماضية وكانت خافية على الحزب، فإنها تؤكد الوقوف الى جانب عون، وبما يوحي بأن الأمور والاحتمالات محصورة على هذا النحو: إذا التزم الجميع التهدئة وإيجاد تسوية وحل، فإن الحل لن يكون على حساب رئيس الجمهورية، وإذا قرر جنبلاط التصعيد وصولا الى الاستقالة، فليفعل ذلك ولا مشكلة في انتقاله الى صف المعارضة وفي تعيين وزراء بدلا من وزرائه لضمان ميثاقية الحكومة وحفظ التمثيل الدرزي، ولتصحيح خطأ استبعاد طلال إرسلان ووئام وهاب.. وإذا شعر الحريري أنه محرج وأراد أن يهدد بالاستقالة، فإنه حر في أن يفعل ما يشاء.