Note: English translation is not 100% accurate
أين القيادات المسيحية من «مشروع التسوية»؟ ولماذا بكّرت في إصدار إشارات عدم ارتياح؟
5 يناير 2011
المصدر : بيروت




العارفون بالأمور يقولون ان لدى الرئيس نبيه بري معطيات تشير الى ان القرار الاتهامي يصبح مرشحا للصدور في أي وقت ابتداء من 14 الشهر الجاري، ما يعني ان الاتصالات دخلت في دائرة الحسم لجهة تحديد المواقف وكشف الأوراق وظهور أولى معالم التسوية خلال هذا الشهر. ويجري في التسوية السياسية الداخلية تسليط الأضواء على مسألتين:
ـ الأولى: مسألة تغيير الحكومة التي ستخضع لتوازنات جديدة وتكون بمثابة عودة الى حكومات ما بعد الطائف، حيث لا يكون هناك معارضة وموالاة في أطر وقوالب جامدة على النحو الذي حصل منذ العام 2005 بين 8 و14 آذار.
ـ الثانية: مسألة عودة الصراع السياسي الى الساحة المسيحية، وحيث يكون «صراع المواقع» على الصعيد المسيحي عنوان المرحلة ويكون تعديل الحصص المسيحية في الحكومة الجديدة سمتها البارزة.
ولأن الأمور تسلك هذا المنحى، بدأت تصدر عن هذه القيادات تصريحات أو تلميحات أو إشارات سياسية معترضة على التسوية ورافضة، كما فعل الرئيس أمين الجميل، أو متحفظة على مسارها ومعتبرة الحكومة خطا أحمر خارج المفاوضة مثل المحكمة الدولية كما قال د.سمير جعجع. وهذان الموقفان يشكلان ردا مبكرا على تسريبات تتعلق بالتسوية، وتفيد بأن هناك توجها الى تقليص حصة الكتائب والقوات في أي حكومة جديدة، وربما إقصاء هاتين القوتين الرئيسيتين في مسيحيي 14 آذار على طريقة الاحراج للإخراج بعدما يكون الرئيس سعد الحريري وضع في موقف صعب لا يعود بإمكانه الدفاع عن حلفائه.
العماد ميشال عون من جهته يعتريه قلق من نوع آخر لمرحلة ما بعد الاتفاق. فمقابل الاعتقاد أن هذا الاتفاق سيؤدي الى احتواء الصراع السني الشيعي في لبنان وفي شكل مريح لدمشق، يساوره هاجس العودة الى معادلة ما بعد الطائف، المعادلة التي جرى إرساؤها بين الرئيس رفيق الحريري وحزب الله برعاية سورية واختصرت بمعادلة المقاومة والأمن (لحزب الله) مقابل المال والاقتصاد (للحريري)، وهذا ما يشكل في نظر عون عودة الى وضع ما قبل العام 2005 وبما يتعارض من جهة مع حملته وبرنامجه القائم على فكرة محاكمة الفترة السابقة ماليا، وبما يؤدي من جهة ثانية الى تكريس ثنائية سنية شيعية تضعه في موقع هامشي وتختصر معادلة الحكم والبلد في الثنائي «الحريري ـ نصرالله». قد يقول قائل ان القوى والقيادات المسيحية بانقسامها منذ خمس سنوات وتوزعها على معسكري 8 و14 آذار تؤمن طريقة مناسبة ومثمرة للتعاطي مع الخلاف السني ـ الشيعي. فإذا ظل هذا الخلاف على وتيرة السنوات الماضية أمكن للقوى المسيحية الموزعة في الاتجاهين الاستفادة وجني الثمار والمكاسب بدليل ان المجلس النيابي الحالي هو الأكثر تمثيلا للمسيحيين منذ الطائف، وان حكومة الوحدة الوطنية الحالية هي الأفضل مسيحيا من حيث التوازن الطائفي، وإذا تفاقم هذا الخلاف وتطور الى صراع سينتهي الى تسوية لا غالب ولا مغلوب على الطريقة اللبنانية المعتادة، أو ينتهي الى رابح وخاسر، وفي الحالة الاولى يكون المسيحيون جزءا من التسوية، وفي الحالة الثانية يكون بين المسيحيين فريق رابح ولا تكون الخسارة محققة وشاملة. هذه الطريقة في التفكير والتعاطي فيها من «التبسيط والتسطيح» للواقع المعقد والمخيف أكثر بكثير مما فيها من واقعية وبراغماتية. فالمسألة ليست مسالة تحصيل مكاسب سياسية ومقاعد وزارية ونيابية، وإنما مسألة «دور وطني وسياسي» للمسيحيين مازال مفقودا، وكذلك مسألة أن يشعر المسيحيون بأنهم شركاء فعليون في الحكم والقرار الوطني وفي تركيبة وإدارة مؤسسات الدولة، وقد ساهم الخلاف المسيحي وتوزعهم بين محورين ومشروعين سياسيين في تراجع دور المسيحيين وفي جعلهم وتصويرهم قوى تابعة لطرفي الصراع السني ـ الشيعي وتدور في فلكهما وتستمد منهما قوتها وحضورها. وهذا الدور المسيحي المفقود لا يوجد الا من خلال توحيد الرؤية والأهداف والابتعاد عن موقع الطرف في الصراع السني ـ الشيعي، وبما يتيح بلورة الموقف والموقع اللذين يجب ان يكون فيه المسيحيون حاليا وهو «الحياد»، وهذا الموقع الذي يقف فيه الرئيس ميشال سليمان حاليا. وليس المقصود هنا «الحياد السلبي» وان يكون المسيحيون في وضع المتفرجين على الصراع ومجرياته والمنتظرين لنتائجه وتحديد هوية الخاسر والرابح فيه، فيحجمون عن فعل أي شيء وعن اتخاذ أي مبادرة ويكون موقفهم أقرب الى «اللامبالاة» وانهم غير معنيين بهذا الصراع وتداعياته، ولا البحث عن طريقة لوقفه وحصره.
إذ أن مثل هذا «الحياد السلبي» تترتب عليه نتائج سلبية ولن يكون المسيحيون بمنأى وبأمان، وسيدفعون ثمن هذا الموقف. فإذا انفجر الصراع سيكونون من ضحاياه وفي قلب العاصفة، وإذا حصلت التسوية بعد ذلك سيكونون خارجها وستكون على حسابهم.
وحده «الحياد الايجابي» هو الذي يحمي المسيحيين ويحفظ لهم الدور الطبيعي لهم بأن يكونوا وسيطا ايجابيا وموصلا جيدا للعلاقة بين السنة والشيعة، وبأن يلعبوا دور «الاطفائي» في إخماد الصراع واطفاء ناره المتأججة، ودور «جسر الحوار والتلاقي» بين مكونات الوطن. وهذا يقتضي منهم القيام بكل المحاولات والمبادرات اللازمة للتقريب والجمع والدفع في اتجاه الحوار والتسوية، فيكون الدور المسيحي دورا بناء وفاعلا، ويكون المسيحيون عامل توازن وطني في تثبيت التوازنات السياسية والطائفية لا عامل إذكاء للخلافات والتناقضات واللعب عليها.