لا يمكن التكهن بمسار الأحداث في سوريا التي دخلت مرحلة دقيقة جدا في ظل سباق محموم بين الاصلاح والفتنة.
ومما لا شك فيه ان القيادة السورية بعدما استوعبت «الموجة الأولى» في درعا واللاذقية وخرجت من دائرة الصدمة والارتباك، أجرت تعديلا ملحوظا على أدائها العام في التعامل مع هذه الأحداث. فالرئيس السوري بشار الاسد كان له خطاب أمام حكومته الجديدة التي انبرى أعضاؤها الى تسجيل الملاحظات والتعليمات، جاء مختلفا في الشكل والمضمون عن خطابه أمام مجلس الشعب الذي لم يفعل أعضاؤه الا التصفيق الحار وفي «الخطاب الحكومي» تراجع الحديث عن «المؤامرة» وتقدم «حديث الاصلاح»، وتحدد موعد وشيك لإلغاء قانون الطوارئ، وجرى تصنيف آل ضحايا الأحداث من العسكريين والمدنيين شهداء وعلى الأرض، تفادت قوى الأمن الاصطدام بالمتظاهرين واستخدمت القنابل المسيلة للدموع بدل الرصاص الحي، في وقت أشادت السلطات السورية بالتظاهرات والسلوك الحضاري للمتظاهرين الذين هتفوا للحرية، وعبروا عن شعور وطني عميق وقلق على سورية. وتقول مصادر سورية حكومية ان ما أعلنه الرئيس الاسد سيأخذ طريقه الى التنفيذ، وهذا الأمر يجب ان يقابل برد بناء من المعارضين يؤدي الى حوار عميق معهم، أما اذا استمر البعض في هذه الحالة التي تتجاوز الاحتجاج الى التخريب، عندها تنكشف اللعبة ودور البعض وارتباطاته الخارجية، وسيقابل هذا الوضع بما يقتضي من حزم وقوة.
رغم هذه المرونة من النظام وتقديمه الحل السياسي على الأمني، لم تتوقف حركة الشارع، لا بل لوحظ ان هذه الحركة آخذة في الاتساع جغرافيا وبدأت «تتسلل» الى حلب ودمشق وانها متجهة نحو شعارات أكثر جذرية، وأضيفت الى شعارات الاصلاح المطالبة بحل مجلس الشعب وصياغة دستور جديد، واذا كان هذا المنحى التصاعدي للمعارضة التي تنحو في اتجاه «أعمال عنف مسلح»، يعزوه البعض الى ان خطاب الاسد جاء متأخرا ومنخفضا عن سقف المطالب الذي ارتفع في الشارع، فإن السلطات السورية تتحدث عن أسباب أخرى لها علاقة بارتباطات المعارضة بمشاريع وأجندات خارجية وبالتدخلات الجارية عبر حدود دول محيطة منها العراق والاردن ولبنان (لا ذكر لتركيا حتى الآن). وهنا يبرز لبنان، كدولة وساحة، معنيا أكثر من غيره بالأحداث الجارية في سورية الأقرب جغرافيا وسياسيا اليه والأكثر تأثيرا عليه، وهو بدأ يتلقى بالفعل انعكاساتها السلبية لكنها مازالت في مراحلها الأولى. «الحكومة العتيدة» المتعثرة أساسا، تأثرت بالتطورات السورية، وأسئلة كثيرة تطرح عن مصلحة سورية في قيام حكومة لبنانية «متطرفة» (من لون واحد) وقدرتها في تسويق مثل هذه الحكومة عربيا ودوليا، وعن تأثير أزمتها الداخلية على قدراتها الخارجية ودورها الاقليمي انطلاقا من لبنان، وثمة حيرة في لبنان بشأن موقف سورية من حكومة ميقاتي، وما اذا كانت تريد تشكيل الحكومة في أسرع وقت لتحصين خاصرتها اللبنانية الرخوة، ولكنها تمتنع عن ممارسة ضغوط في اتجاه التشكيل أو هي محرجة في التوفيق بين حلفائها والرئيس ميقاتي. أو اذا كانت غير منزعجة من الوضع القائم (حكومة تصريف أعمال مع رئيس مكلف) وتعتبره الأفضل حاليا. ولذلك تمتنع عن التدخل ويسهم موقفها في إطالة أمد التأليف.
الدورة الاقتصادية اللبنانية التي لها امتدادات ومصالح في العالم العربي انطلاقا من البوابة السورية بدأت تتلقى انعكاسات سلبية بدءا من أزمة حدودية ناجمة عن تشديد إجراءات التفتيش وتكدس الشاحنات، مرورا بتراجع الحركة اللبنانية الاستثمارية والسياحية في اتجاه سورية وعبرها في اتجاه تركيا. ولكن التأثير الأبرز والأخطر يقع في النطاق السياسي الأمني، وهو ناجم عن «السجال الاتهامي» القائم بين النظام السوري وتيار المستقبل. فالسوريون الذين اتهموا نوابا في المستقبل بالتورط عبر المال والسلاح، دفعوا عبر سفارتهم في بيروت باتجاه تحرك قضائي للسلطات اللبنانية استنادا الى اتفاقات قضائية موقعة بين البلدين والى اتفاق الطائف الذي ينص على ضرورة عدم استخدام لبنان كمنصة لتهديد أمن سورية، ويتحدثون الآن عن أدلة دامغة ومعلومات أخرى لم تنشر، تثبت تورط أطراف لبنانية. أما تيار المستقبل، فإنه يصف هذه الاتهامات بأنها مفبركة ولا أساس لها، ويطالب بتكوين ملف قضائي مبني على أدلة واثباتات وعلى اتباع الطرق والقنوات الرسمية بين البلدين، ويصر على انه لا رغبة ولا إرادة ولا قدرة ولا مصلحة له في التدخل في سورية وإثارة أوضاعها الداخلية، ويتخذ الأمر أبعادا أكثر خطورة وتعقيدا مع دخول حزب الله على خط الاتهامات السورية فيتبناها ويؤكد صحتها ويضع تدخل «المستقبل» في سياق المعركة السياسية الشاملة التي فتحها الحريري بعد خروجه من الحكم.