Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
«غيوم تتلبد وهدوء ما قبل العاصفة» ومعركة مفتوحة بين «إسقاط المحكمة» و«إسقاط الحكومة»
5 يوليو 2011
المصدر : الأنباء
لم يتفاعل الشارع اللبناني، وخصوصا السني والشيعي، مع حدث صدور القرار الاتهامي عن المحكمة الدولية، وانما تعاطى ببرودة وسط حال من الترقب والحذر هنا وحال من اللامبالاة والاستخفاف هناك. عوامل عدة ساهمت في لجم ردة الفعل وفي ان تكون أقل حجما ووقعا من الحدث نفسه: قد يكون غياب عنصر المفاجأة نتيجة التسريبات السابقة التي جاءت منسجمة مع مضمون القرار الظني في وجهة الاتهام وأسماء المتهمين. قد تكون معركة القرار الظني التي فتحت قبل أشهر ساهمت في استنفاد قسم كبير من حال التعبئة وفي امتصاص الصدمة والتخفيف من وطأتها. وقد تكون التعليمات الصادرة عن قيادات الطرفين بضبط النفس والشارع لأنها متهيبة للموقف الدقيق وتخشى حدوث انزلاقات خطرة.
بخلاف الهدوء الظاهر في الشارع، فإن صدور القرار الاتهامي دفع بالوضع السياسي الى مستويات عالية من التوتر والتشنج والاحتقان، وظهرت مؤشرات أولية تفيد بان الوضع يتجه وبوتيرة سريعة وتصاعدية الى معركة سياسية شرسة ومفتوحة، وان لبنان الذي «استوعب» صدمة صدور القرار الاتهامي لن يكون في إمكانه استيعاب مفاعيله ومضاعفاته السياسية وتصريفها، وان القرار الاتهامي يبدو أكبر من قدرة البلد على الاحتمال ويكرس الدخول في مرحلة سياسية جديدة نعرف انها بدأت مع تشكيل حكومة ميقاتي على وقع القرار الاتهامي ولا نعرف كيف تنتهي وأين.
حزب الله ماض قدما في عملية إسقاط المحكمة الدولية، سياسيا ومعنويا. وهو كان بدأ منذ عام خطة منهجية لتدمير صدقية المحكمة وإفراغ القرار الظني من مضمونه الاتهامي وتعطيل مفاعيله الداخلية، ولم يغير في مسار هذه الخطة وأهدافها لا صدور القرار الظني ولا تشكيل الحكومة الجديدة التي أخرجت السلطة من يد خصومه وهو فيها شريك أساسي ومؤثر. وفي إطلالته الأخيرة أكمل السيد حسن نصرالله ما كان بدأه من عملية تفكيك لغم القرار الاتهامي وضرب هيبة ومصداقية المحكمة الدولية مؤكدا عدم الاعتراف بها وبكل ما يصدر عنها، ورافضا أي تعاون معها بما في ذلك تسليم المتهمين من أفراد حزب الله ولو بعد 300 سنة.
وحزب الله في موقفه هذا، يستبق موقف حكومة ميقاتي ويقيدها من دون ان يلزمها بموقف عدم التعاون مع المحكمة الدولية. فإذا كان حزب الله ليس في وارد تسليم أي من أفراده تحت أي ظرف كان، فإنه أيضا ليس في وارد إحراج حكومة ميقاتي والتسبب بمتاعب مبكرة لها وبما قد يؤدي الى تضييق الخناق عليها. ولذلك يترك لها هامش مناورة وتحرك بطريقة تتيح لها ان تظهر حسن نية واستعدادات طيبة في التزام القرارات الدولية والسعي الى تنفيذ مذكرات التوقيف من دون ان تظهر في المقابل قدرة عملية على التنفيذ، أي ان الحكومة راغبة في التعاون ولكنها غير قادرة عليه.
إذا كان حزب الله يقيم هامش فصل وتمايز بينه وبين الحكومة، فإن قوى 14 آذار سارعت الى إزالة مثل هذا الهامش والى التعامل مع الحكومة كفريق واحد والى معاملة حزب الله والرئيس ميقاتي على قدم المساواة، لا بل ان ما تعرض له ميقاتي في اليومين الماضيين وما أصابه فاق في حدته وحجمه ما تعرض له حزب الله. وواضح ان قوى 14 آذار بقيادة تيار المستقبل صبت جام غضبها على ميقاتي وشنت عليه حملة عنيفة وتعتبره شريكا في عملية إسقاط الحريري والآن شريكا في عملية تقويض المحكمة الدولية عبر تغطيته لحزب الله، وتلوح له بالعقوبات الدولية التي تطال أيضا الأفراد في حال عدم التعاون مع المحكمة الدولية. ولقد اختصرت قوى 14 آذار هذا الموقف بعبارة اختصرت كل بيانها الصادر عن لقاء البريستول: إعلان ميقاتي التزامه بالقرار 1757 بكل مندرجاته أو الرحيل هو وحكومته غير مأسوف عليهما.
14 آذار تجاوزت في موقفها مسألة «حجب الثقة» الى مشروع «إسقاط الحكومة» المرفوضة جملة وتفصيلا. ولا تستحق أي فرصة وفترة سماح. والمعارضة في ذلك تتصرف من خلفية ان لا عودة الى الوراء، الى ما قبل العام 2005، وانها لن تسمح بإضاعة مكتسبات المرحلة السابقة وهي ترى أخطارا فعلية تحدق بها وبهذه المكاسب. وتعتبر المعارضة ان قرار إسقاط الرئيس سعد الحريري كان قرارا خاطئا مثلما كان قرار التمديد للرئيس إميل لحود سبتمبر 2004، وان حكومة نجيب ميقاتي هي نسخة منقحة عن حكومة عمر كرامي خريف 2004 مع ان ولادتها تتزامن مع بزوع فجر الربيع العربي حاليا، ولذلك فإنها حكومة آيلة الى السقوط لأنها تسير عكس التيار ومنطق الأمور والتحولات في المنطقة.
إذا كان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كافيا لإطاحة حكومة كرامي وإسقاطها بالضربة القاضية، فإن القرار الاتهامي الصادر في جريمة اغتيال الحريري ليس كافيا لإسقاط حكومة ميقاتي، والمعركة حاليا لا مكان فيها لـ «ضربة قاضية» وإنما تحتسب بالنقاط وهي تدور بين مشروعين: مشروع إسقاط تدريجي للمحكمة الدولية وإبعاد مفاعيلها وتأثيرها عن الوضع الداخلي وعدم السماح لأن تكون المحكمة سببا أو مدخلا الى إسقاط الحكومة. ومشروع إسقاط الحكومة الذي شرعت المعارضة في وضع خطوطه السياسية العريضة مع الافتقار الى خطوات عملية وعدم السماح بأن تكون الحكومة سببا أو أداة وغطاء في تقويض المحكمة الدولية التي هي الورقة الأهم في يد 14 آذار بعدما خسرت أوراقا أخرى مهمة. ووسط هذه المعركة السياسية الشرسة والمفتوحة بين مشروعين وفريقين، لا يبدو ان هناك مكانا ودورا لـ «الوسطية»، وان ظروف وإمكانية استئناف الحوار الوطني غير متوافرة وحتى إشعار آخر. لا بل يبدو أننا متجهون الى وضع أكثر تعقيدا وتأزما، وما بدأ هو تلبد الغيوم في السماء اللبنانية وما نشهده الآن هو «هدوء ما قبل العاصفة الآتية. عاجلا أو آجلا».