Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
تهديد للميثاقية اللبنانية
13 يناير 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
تشبه مرحلة المخاض المؤلم لولادة حكومة الرئيس تمام سلام، الولادة المتعسرة لأم نجا ابنها مشوها ومنهكا وأصيبت هي بعاهات دائمة تهدد حياتها في كل يوم.
القساوة السياسية التي يتعاطى بها اطراف الازمة اللبنانية هذه الأيام، تنذر بتداعيات مخيفة على مستقبل البلاد، وتكاد التوليفة المجتمعية للكينونة اللبنانية تضيق ذرعا بما يحدث، وتبدو غير قابلة على استيعاب الانشطار الوطني الذي وصل الى حدود غير مقبولة.
المطارنة الموارنة اطلقوا في بيانهم الأخير صرخة لافتة، تحدثت عن التهديد الذي يطول الميثاقية اللبنانية، والذي قد يحول لبنان الى ارض مستباحة وينال من تاريخه، وشكلت العبارات مقاربات جديدة، قد تحمل اكثر من تفسير، وتتضمن اكثر من معنى، سيما في ظل الانطباق المخيف الذي يخيم على مساحة الاجتماع اللبناني، حيث يتدنى مستوى الود والتعاون بين الاطراف على حده الأدنى، وتغيب لغة الحوار وتكاد تختفي قفشات المرونة المميزة للحياة اللبنانية، والتي تغلب عادة على علاقات السياسيين.
اسنداد افق التعاون يهدد مستقبل العقد الوطني، ورفع منسوب التحدي قد يؤدي الى غرق القارب بمن فيه، وقد تخرج اصوات تنادي بمزيد من الانقسام بحجة الهروب من حالة الانطباق السياسي الحالي ولتجنب موجات التطرف عند الآخرين.
الميثاقية اللبنانية تعتمد على المراعاة المتبادلة بين المجموعات المكونة للدولة وتحترم ضمنا ادبيات التمايز، ومندرجات الوفاق الوطني، وفقا لتوليفة لا ترضي التقدميين والمتحررين، ولكنها تحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، وعلى وحدة الشعب الذي يتألف من شرائح متفاوتة من حيث الثقافة، ومن حيث الولاء، وفي عقيدتها الدينية.
يؤسس الصراع الاسلامي ـ الاسلامي الذي يدور في المنطقة المحيطة بلبنان لتداعيات مخيفة على الداخل اللبناني وقد تحوله الحسابات الخاطئة الى ساحة مستباحة لكل انواع التطرف، وملجأ للمجموعات المتقاتلة تتمرس في شوارعه، وخلف تلاله، في سبيل تحقيق اهداف خارجية لقوى دولية وإقليمية، هي لا تخسر شيئا، ولكن لبنان يضيع الى الابد.
ترى اوساط متابعة لما يجري ان عدم مراعاة اطراف الصراع الاسلامي ـ الاسلامي للخصوصية اللبنانية يولد يأسا قاسيا عند قوى ـ بل مجموعات لبنانية واسعة ـ بدأت تفكر بفك الارتباط مع ساحة الحريق الاقليمية، وهي خائفة الى حد بعيد من مستقبل التداعيات السياسية والامنية لما يجري اليوم على مستقبلها البعيد. وتندرج مشاعر رجال الكنيسة في لبنان في سياق هذه المخاوف، وترى اوساط المطارنة الموارنة ان الاستخفاف بالعقد الوطني، بما يشمله من الحفاظ على مؤسسات الدولة، وتداول المسؤوليات وتحديدا موضوع الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية، وعدم السماح بشغور المركز مهما كانت الاسباب والظروف، وإبقاء البلاد من دون حكومة تدير الدولة، كل ذلك مؤشر مقلق لوضع لا يمكن السكوت عن استمراره، ولابد من وضع الحد له، لأنه ينزع الثقة عن لبنان، من نفوس ابنائه الذين يتسابقون للهجرة، ويهز ثقة العالم بالدولة، وبقدرتها على الإمساك بزمام الامور. ولعل أبرز مظاهر الانزعاج مما يجري ظهور حركات شبابية متمردة على واقع الانقسام اللبناني خرجت الى العلن للتعبير عن ذاتها، لاسيما امام المتحف الوطني في بيروت، وفي تظاهرة التضامن والتأييد التي توجهت الى مكتبة السائح التي احرقت في طرابلس.
وفي مظاهر القلق اللبناني ايضا مشاعر مناطقية بدأت تتنامى لاسيما في الجبل بكل انحائه، ضد الاستهتار بالاستقرار، وضد الاستخفاف بالعقد الوطني الجامع، وترى شرائح واسعة من ابناء الجبل، انها لن تسكت على التهميش الذي يصيب الوحدة الوطنية، ولا على تقليص دور الجبل في الحفاظ على لبنان، واستمراره كدولة مركزية موحدة. والنقمة العارمة عند شرائح واسعة من اللبنانيين ـ ولاسيما الشباب منهم ـ موجهة ضد طرفي الانقسام في قوى 8 و14 آذار، الذين تمادوا مجتمعين في جر لبنان الى اتون الحرب السورية وربطوا مصالح اللبنانيين ومستقبلهم بدوائر القوى الاقليمية والدولية، وكل هذه القوى منغمسة في لعبة التآمر على مستقبل المنطقة العربية، ولا يحسبون حسابا لآلام الشعوب ومعاناتها، وهمومهم تنحصر بتوسيع نفوذهم وبالحفاظ على استقرار امن اسرائيل.
ويشعر الشباب اللبناني في الجامعات ان مصدر إشعال الحريق الاسلامي ـ الاسلامي مؤامرة من دول اقليمية وإسرائيل، وبتشجيع من دول كبرى، هدفه تدمير الآمال العربية، وتفكيك التماسك العربي وقد كانت ادوات هذه المؤامرة مجموعات متطرفة تعمل تحت ستار الحفاظ على الدين ولكنها بالفعل تسهم في تشويه صورة الدين الاسلامي الحنيف، وتدمر مستقبل الامة.