Note: English translation is not 100% accurate
البيانات الوزارية اللبنانية والكعكة العصرونية
2 مارس 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
تُشبّه أوساط سياسية متابعة لمتداولات اللجنة المكلفة بإعداد مسودة البيان الوزاري للحكومة السلامية الجديدة ما يجري، بإعداد وجبة رمضانية شهية لمفطرين، وبالتالي فليس للوجبة مكانة استثنائية في يومهم الطويل. وتقول هذه الاوساط: «ان البيانات الوزارية كالكعكة العصرونية» فهي مكملة لوجبات النهار، ولتقطيع الوقت قبل بزوغ فجر اليوم التالي.
منذ 72 عاما من عمر الاستقلال اللبناني، تقدمت الحكومات المتعاقبة بـ 67 بيانا وزاريا قبل أن تنال الثقة من البرلمان، ولم يكن لهذه البيانات المكانة العالية في منع التداعيات التي حصلت، ولا هي التي حددت مسار الانضباط السياسي للوزراء، وغالبا لم تكن هذه البيانات هي المرجع في تحديد موقف لبنان في القضايا المفصلية، بل كانت على الدوام نصوصا لها الطابع الشكلي، وليست مرجعية مستندية ملزمة.
الدستور اللبناني لا يعطي قوة قانونية للبيان الوزاري، سوى انه مدخل أدبي لنيل ثقة البرلمان.
وتقول المادة 64 (بند 2) منه: على الحكومة أن تتقدم ببيانها الوزاري خلال 30 يوما لنيل الثقة، دون أن تشير هذه المادة الى القوة القانونية الملزمة لهذا البيان، ولا دوره في تحديد سياسة الحكومة، لأن المادة 65 (بند 1) من الدستور أعطت مجلس الوزراء مجتمعا صلاحية وضع السياسة العامة للدولة، وهذا يعني أن الدستور أناط بمجلس الوزراء تقرير ما يراه مناسبا من دون أن يتقيد بمحددات لا يلحظها الدستور، أو القوانين. والبيان الوزاري ليس له قوى دستورية، ولا هو قواعد قانونية، وكانت معظم الحكومات المتعاقبة تتجاهل مندرجاته بعد الحصول على ثقة مجلس النواب.
المراسيم والقرارات ومشاريع القوانين التي تصدر عن مجلس الوزراء ملزمة بالاشارة الى الاسباب الموجبة، والى ماذا تستند من المواد القانونية، ولكنها ليست ملزمة الاشارة الى البيان الوزاري إطلاقا. وعادة كانت القضايا المهمة، والانجازات الكبيرة للحكومات، مستجدة، أو أنها ليست واردة في سياق البيانات الوزارية.
البيانات الوزارية في حكومات الانظمة الديموقراطية تحدد خطط الحكومة في الملفات الاقتصادية والاجتماعية والانمائية، أما دور الدولة وسياستها العامة وتوجهاتها الوطنية والدولية، فهي محددة في مقدمات الدساتير، وفي المواثيق الوطنية، والعقد الاجتماعي بين شرائح الشعب والذي له الصفة التأسيسية.
في لبنان درجت العادة منذ اتفاق الطائف على تضمين البيانات الوزارية عناوين وطنية عامة، غالبا ما كانت تحمل تسويات، أو مراعاة متبادلة بين ممثلي القوى السياسية، أكثر مما تحمل قناعات قاطعة، أو شاملة عند كل الاطراف، بالرغم ان اتفاق الطائف، أو ما يطلق عليها «وثيقة الوفاق الوطني» حددت الخطوط العريضة لهوية الدولة، وتوجهاتها العامة الوطنية والعربية والدولية، بما في ذلك حق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز العلاقة مع المحيط العربي، والانفتاح على الشرق والغرب على المستوى الدولي.
إعادة طرح البنود الخلافية في البيان الوزاري في كل مرة، تحمل استحضار تعيير سياسي، وشيئا من المزايدات، وتفتيشا عن نقاط الاختلاف الصغيرة، وإعطائها حيزا واسعا يُغطي أحيانا على المشتركات الكبيرة.
الاتفاق السياسي المهم الذي حصل على تأليف حكومة مصلحة وطنية جامعة في هذا التوقيت المفصلي المهم من تاريخ لبنان والمنطقة، يعتبر أكبر من كل التفاصيل الخلافية. واعتقاد البعض أن بضع كلمات في البيان الوزاري يمكن لها أن تغير قناعات القوى السياسية الممثلة بالحكومة، اعتقاد خاطئ. فالاتفاق تجاوز تفاصيل خلافية واسعة. كما أن محاولة أي طرف الحصول على تنازلات سياسية جوهرية من الطرف الآخر، قد لا تكون محاولات موفقة، لأن الاعتبارات التي تحدد المواقف الجوهرية للقوى السياسية ـ لاسيما من مجريات الاحداث في سورية ـ لا تتحرك بمؤشرات لبنانية صرفة، وهي محكومة بالتزامات إقليمية، أو دولية، وبتحالفات خارجية، وقد تساعد هذه الارتباطات الخارجية اللبنانيين على الخروج من محنتهم، اذا ما توافرت ظروف الحوار الدولي والإقليمي لذلك.
المهام الكبيرة التي تنتظر الحكومة السلامية الجديدة لا تحتاج إلى بيان وزاري من الوزن الثقيل، فالمهام الملحة التي لم تعد تحتمل التأجيل معروفة، وهي إطلاق عجلة مؤسسات الدولة المتوقفة من جراء الفراغ الإداري والضياع، في قطاعات الإنتاج والتربية والصحة والطاقة والمياه وفي الصناعة والسياحة والاتصالات، ناهيك عن ضبط الأمن ومكافحة التطرف والإرهاب، ومساعدة الجيش والقوى الأمنية وتغطية إنجازاتهم الجبارة. إضافة الى دور الحكومة الأساسي في توفير الظروف المناسبة لإنجاز الاستحقاقات الدستورية القادمة، وفي المقدمة منها استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
التوافق السياسي على تمرير المرحلة بأقل خسائر ممكنة، وإنقاذ الدولة من الضياع والتفتت، عناوين توافقت عليها معظم القوى السياسية اللبنانية التي ستمنح الحكومة الثقة، وهي لن تتوقف عند البيان الوزاري، لأنه استكمال لهذا التوافق، وهو وجبة عصرونية خفيفة بعد غداء دسم.