ما حدث في بيروت وكل لبنان كان «أكثر من انتفاضة.. وأقل من ثورة»، ومزيجا من تحركات شعبية عفوية وعشوائية، وتحركات منظمة من تدبير وتحريك «إيد خفية».
ما حدث شكل مفاجأة كبرى للجميع دون استثناء، سواء في حجمه بعدما كانت التظاهرات والاعتصامات على امتداد الأشهر الماضية خجولة وضعيفة، وفي رقعة انتشاره الشامل الذي كان عابرا للمناطق والطوائف، وفي مضمون الشعارات التي تجاوزت الضرائب والأزمة الاقتصادية، وتوغلت في الأزمة السياسية والوطنية، وتراوحت بين الدعوة إلى رحيل الحكومة والمطالبة بإسقاط النظام.
الرسم على خدمة «واتساب» كان الشرارة التي أشعلت هذا الحراك و«النقطة» التي طفح بها كيل الشعب.
بدا واضحا أن الحكومة منفصلة عن الواقع الشعبي ونبض الشارع، وأنها لا تقدر عواقب أي إجراءات ضريبية جديدة، فكيف إذا كانت ضرائب مباشرة تطول جيوبهم و«تحصي» أنفاسهم مثل ضريبة «واتساب» أو الزيادة على البنزين وضريبة القيمة المضافة؟.
وهذا ما يعاكس الوعود والتأكيدات التي صدرت عن المسؤولين على أن موازنة 2020 ستكون خالية من ضرائب جديدة، وأن هناك إصلاحات تطول مسارب الهدر والفساد وأصحاب الثروات.
ما حصل كان بمنزلة انفجار لكل تراكمات و«احتقانات» الأزمة وإعلان من جانب المواطنين أنهم فقدوا الثقة بالحكومة والطبقة السياسية الحاكمة، وما عادوا يصدقون سياستها ووعودها، فكيف بالتوضيحات والتبريرات التي حاول وزير الاتصالات محمد شقير تسويقها من دون جدوى.
وما حصل كان بمنزلة «إنذار نهائي» الى السلطة بأن الوضع لا يمكن أن يستمر على هذا النحو من سوء الإدارة والممارسة، وأن الناس لم تعد لديهم القدرة على تحمل مزيد من الأعباء، وبالتالي لم تعد لدى الحكومة هامش قدرة وقرار لفرض ضرائب جديدة مهما بلغ حجمها.
والمفاضلة صارت واضحة بين الاستقرار المالي والاستقرار الأمني.
فإذا كانت الحكومة ركزت على الاستقرار المالي وعلى البحث عن زيادة الواردات عبر الضرائب لمعالجة عجز الخزينة والموازنة، لم يعد بإمكانها ضمان استمرار الاستقرار الأمني والوثوق به.
والمعادلة بسيطة ومتفجرة: فرض ضرائب جديدة يعني إشعال الشارع وانفجاره.
انقلاب الشارع وخروجه عن السيطرة أقلق الحكومة وهزها بعنف ووضعها في حال من انعدام الوزن، ويلزمها بمراجعة سياستها وموازنتها ومسارها، ويعمق مأزقها الداخلي ويضرب ما تبقى من مصداقيتها وسمعتها بالخارجية.
ولكن المضاعفات والتداعيات أبعد من ذلك وأكثر تعقيدا وخطورة، لأن مصير الحكومة بات على المحك ومصير البلد بات في مهب الرياح والمتغيرات الإقليمية.
للمرة الأولى فكرة الاستقالة تراود الرئيس سعد الحريري متلازمة مع شعور العجز وعدم القدرة على فعل شيء في مواجهة الأزمة المالية وعدم القدرة على الاستمرار في وضع يحاصره ويضغط عليه من كل الجهات.
ولكن الاستقالة ليست حلا ولا مخرجا بقدر ما هي مدخل الى أزمة جديدة ومديدة، لأن البديل عن الحريري غير جاهز، ولأن الاتفاق على الحكومة الجديدة غير متوافر، ولأن سقوط الحكومة يعني تلقائيا سقوط التسوية التي تظللها أو تقوم على أساسها، وبالتالي يكون العهد الذي يبلغ نصف عمره نهاية هذا الشهر، هو المتضرر الأول من انهيار التوازن السياسي الدقيق والانتقال من واقع حكومة وحدة وطنية الى احتمال حكومة أكثرية وجبهة معارضة.
ما بعد 17 أكتوبر لن يكون كما قبله، فإما أن يلتقي الجميع تحت وطأة وهول ما حدث لالتقاط الفرصة الأخيرة، وإما أن تصبح الأزمة فعلا أكبر من الأحزاب وقادتها وتتجه الى سيناريو كارثي من الفوضى والانهيار وسط سيل من التساؤلات: هل ما جرى هو من مقدمات عملية قلب الطاولة التي لوح بها الوزير جبران باسيل، أم بدايات معركة رئاسة الجمهورية المقبلة التي أشاعت أجواءها لقاءات نصرالله مع باسيل وفرنجية، أم مؤشر من مؤشرات أفول عصر «الحريرية السياسية» التي بدأت مع الرئيس رفيق الحريري بانتفاضة الشارع في العام ١٩٩٢، وتنتهي مع الرئيس سعد الحريري في الشارع أيضا؟! أم أن لبنان التحق متأخرا بركب «الربيع العربي»، وما يجري على أرضه مماثل لما جرى في العراق قبل أسابيع، وما جرى في السودان قبل أشهر؟! أم أن ما يجري هو نتاج «الحروب الاقتصادية» والوضع الإقليمي المتغير في معطياته وموازين القوى؟!