شهد العراق في الأشهر الماضية أوضاعا وتطورات شبيهة الى حد بعيد بتلك التي شهدها لبنان: انتفاضة شعبية عارمة أسقطت الحكومة (حكومة عادل عبد المهدي) وطالبت بمكافحة الفساد ودفعت في اتجاه انتخابات نيابية مبكرة. وهذه العناوين الجامعة خرقتها أصوات مطالبة بضبط السلاح والحد من النفوذ الإيراني في العراق، والذي تعاظم بشكل سريع وقوي منذ العام 2014 عندما ظهر تنظيم «داعش» فجأة وهدد العاصمة بغداد واقتطع مساحات جغرافية واسعة قاعدتها الموصل.
هذا الخطر الداهم دفع إيران الى مساعدة القوى والفصائل الشيعية وتنظيمها وتدريبها ضمن إطار «الحشد الشعبي»، وإذ ذاك بدأ النفوذ الإيراني يتسع ويتحول من «سياسي شعبي أمني اقتصادي» الى نفوذ عسكري وعملاني ويأخذ شكل التغلغل في الدولة والتأثير على قرارها والتحكم بمفاصلها.. وفي الواقع، كانت إيران تتقدم في ظل الفراغ الأميركي الذي نجم عن قرار الانسحاب والانكفاء المتخذ من الرئيس السابق باراك أوباما وعمل الرئيس دونالد ترامب على تجميد تنفيذه، في وقت كانت العلاقة الأميركية الإيرانية على أرض العراق، وبعد تقاطع مرحلي إيجابي ضد «داعش»، تشهد ارتفاعا في حدة التوتر وانتقالا من حال المهادنة الى حال المواجهة التي بلغت ذروتها مع الاغتيال الأميركي للقائد الإيراني اللواء قاسم سليماني.
ولكن رغم فداحة وخطورة هذا الحدث، لم تتطور المواجهة الى «حرب» وإنما توقفت أولا عند حدود رد فعل إيراني محدد ومدروس تفهمته واشنطن ومررته، وتوقفت ثانيا عند تطور حكومي رعته واشنطن وتمثل في تشكيل حكومة جديدة برئاسة مصطفى الكاظمي بعد محاولات عدة غير ناجحة قامت بها طهران لتشكيل حكومة موالية بالكامل رئيسا وتركيبة وبرنامجا.. والمفاجأة كانت أن إيران قبلت، ولو على مضض، بحكومة الكاظمي. واعتبرت الموافقة الإيرانية بمنزلة العودة الى سياسة المساكنة مع الأميركيين في العراق، كما أدرجت في سياق التكتيك الإيراني لكسب الوقت واستيعاب الضغوط والوصول الى محطة الانتخابات الرئاسية الأميركية.
سريعا وباكرا سلك الكاظمي (صديق الأميركيين والمعروف منهم جيدا، الوافد من عالم المخابرات والمتمتع بشبكة علاقات واسعة داخل العراق وخارجه) نهجا لافتا ومتمايزا عن النهج الذي اتبعه رؤساء الحكومات السابقين، معتمدا برنامجا واضحا ومختصرا من أربع نقاط اساسية: مكافحة الفساد «الذي اعتبره أخطر من الإرهاب ويساعد الإرهابيين) ـ إجراء إصلاحات وتغييرات في الدولة، ما يضعه في مواجهة الأحزاب والقوى السياسية ـ التحضير لانتخابات نيابية مبكرة ـ حصر السلاح بيد الدولة واحتواء ومواجهة الجماعات المسلحة التي تعمل خارج الدولة، ومن ضمن معادلة الربط بين مسألة السلاح (وحصره بالدولة) ومسألة الانسحاب الشامل للقوات الأميركية من العراق.
وبالفعل بدأ الكاظمي خطوات عملية في هذا الاتجاه، فاتخذ من «جهاز مكافحة الإرهاب» ذراعا أمنية لسياسته وأعاد لرئاسته الفريق عبد الوهاب الساعدي الذي يتمتع بشعبية. وأول مهمة قام بها كانت اقتحام مقر كتائب حزب الله (العراقي) وتوقيف مجموعة منه على خلفية الاشتباه بدوره في إطلاق صواريخ على السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء الرئاسية في بغداد، وعلى مطار بغداد الدولي ومعسكرات مشتركة للجيش العراقي وقوات التحالف الدولي.
وسادت على الأثر تكهنات وشائعات بأن هذه العملية جرت بإيعاز وتشجيع أميركي، وجرى الترويج بأنها لاقت دعما سياسيا وشعبيا كونها أدرجت في سياق إنهاء ملف اختطاف الدولة. ولاحقا تم احتواء مضاعفات هذه الحادثة عبر «وساطة» ومساع قام بها قائد تحالف الفتح والحشد الشعبي هادي العامري.
السؤال المطروح في لبنان ولدى أوساط متتبعة لمسار التطورات في العراق الذي أصبح خط التماس المباشر بين إيران والولايات المتحدة، في وقت دخل لبنان نطاق هذا الصراع وصار ساحة من ساحاته: هل يمكن للسيناريو العراقي أن يتكرر في لبنان، وهل نرى نموذجا حكوميا في بيروت مماثلا لنموذج حكومة الكاظمي في بغداد؟! هذا السؤال يطرح بقوة في ضوء تطورين:
٭ الأول يتمثل في ترنح حكومة حسان دياب التي أصبحت عمليا في وضع حكومة تصريف أعمال ومستمرة بقوة الأمر الواقع، بمعنى أنها مستمرة لأن لا بديل جاهزا لها والى حين توافر هذا البديل.
٭ الثاني يتمثل في حركة الاتصالات غير المباشرة عبر أقنية ديبلوماسية ومخابراتية بين إيران والولايات المتحدة، وتشي بأن الدولتين غادرتا احتمالات الحرب وانتقلتا الى حلبة المفاوضات، والمسألة لم تعد إلا مسألة توقيت لأن هناك في طهران من يريد للمفاوضات أن تنطلق بعد الانتخابات الأميركية وبعد الوقوف على مصير ترامب، ومن ينتظر ويأمل بسقوطه.. وهناك من يفضل أن يفتح باب التفاوض من الآن وقبل الانتخابات تحسبا لاحتمال فوز ترامب الذي مازال واردا وبقوة، وحتى لا يفاوض بعد فوزه من موقع أقوى.
السؤال: ماذا عن موقف حزب الله من حكومة دياب.. ومن أي مشروع لحكومة يرأسها «كاظمي لبنان» ؟! للبحث صلة..