بيروت ـ عمر حبنجر وداود رمال
أحيت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت جذوة الأمل لدى اللبنانيين بأن بلدهم ليس متروكا لقدره، كما قال ماكرون نفسه، وكما أثبت تدفق المساعدات الطبية والإغاثية عبر الجسور الجوية والبرية من البلدان العربية الشقيقة والغربية الصديقة. في المقابل، كشفت هذه الزيارة حقيقة مشاعر اللبنانيين تجاه سلطاتهم السياسية الموسومة بالفساد، وليس قليلا أن يتجاوب الرئيس الفرنسي مع مطالب الجمهور، ويعلن أنه لن يدع أي مساعدة فرنسية تذهب الى «الأيدي الفاسدة»، وقصده واضح الحكومة ومؤسساتها.
ماكرون لم يكتف بهذا الموقف، إنما لاحظ الجميع أنه في كل كلماته كان يتوجه إلى الشعب اللبناني مباشرة، ودون ذكر للسلطة اللبنانية الميؤوس منها، ويلاحظ أن كل المواقف الدولية المستنكرة للكارثة توجهت إلى الشعب اللبناني ومثلها المساعدات العربية أو الدولية، وكان آخر موقف من هذا لكندا التي أعلنت عن تعاطفها مع الشعب اللبناني، وتوجهت بالمساعدة إلى الجمعيات الأهلية والخيرية.
وفي لقاء قصر الصنوبر حضر كل من الرئيس سعد الحريري (المستقبل) ووليد جنبلاط (التقدمي الاشتراكي) وجبران باسيل (التيار الوطني الحر) وسامي الجميل (الكتائب) وسليمان فرنجية (المردة) ومحمد رعد (الوفاء للمقاومة ـ حزب الله) وإبراهيم عازار (ممثلا الرئيس نبيه بري)، وقد طرح ماكرون عليهم وجوب تنظيم حوار داخلي والبدء بتنفيذ الإصلاحات قبل مطلع سبتمبر المقبل، وإلا سيكون لنا موقف آخر، ثم تأليف حكومة وحدة وطنية، ضامنا تأييدا أميركيا وأوروبيا وعربيا، بعدئذ يكون التركيز على الانهيار الاقتصادي والإصلاحات بدل المناكفات السياسية، وطالب رؤساء الكتل بعقد سياسي جديد أو تغيير جذري.
الرئيس سعد الحريري أعطى الأولوية للإصلاحات الاقتصادية، متسائلا: كيف يمكن للدول أن تساعدنا فيما بعض اللبنانيين لا يكف عن مهاجمتها؟ وطالب بانتخابات نيابية مبكرة، لكن ماكرون تمسك بأولوياته.
وليد جنبلاط قال من جهته: لقد خسرنا معركتنا، حاولنا ترسيم حدود مزارع شبعا وفشلنا، واليوم نخسر المعركة مجددا أمام العصابة الحاكمة وحكومة الذئاب، وقال: نحن لا نؤمن إطلاقا بتحقيق محلي ونطالب بتحقيق دولي.
النائب محمد رعد طالب بالمحافظة على نقاط القوة في لبنان وخاصة قوة المقاومة التي سدت عجز الدولة تماما كما فعل الفرنسيون في مقاومة النازي.
بدوره، دعا رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إلى ضرورة حماية لبنان من خلال الإصلاح ووقف التدخلات الخارجية فيه، وقال: الرئيس الفرنسي حمل المسؤولية لكل الموجودين في السلطة قائلا: إنه لا ثقة للبنانيين بكم. وفي تصريح لقناة «روسيا اليوم» قال باسيل: لا يمكن إزالة العمل التخريبي من حسابات انفجار بيروت.
د.سمير جعجع قال بعد اللقاء: علينا بتحقيق دولي، وإلا ففرنسي. بينما رشح سليمان فرنجية سعد الحريري لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
إشارة ماكرون إلى انعدام الثقة كرستها الاستقالات من المسؤوليات الرسمية، فبعد استقالة وزير الخارجية ناصيف حتّي استقال النائب مروان حمادة وتلته على نحو مفاجئ سفيرة لبنان في الأردن تريسي داني شمعون، التي أعلنت عبر قناة «أم تي ڤي» استقالتها من مهماتها الديبلوماسية كسفيرة في الأردن احتجاجا على عدم أهلية السلطة الحاكمة في لبنان.
وفي نيويورك نظم لبنانيون محتجون تظاهرة أمام القنصلية اللبنانية، واستغرقت التظاهرة نحو ساعة بسبب عدم خروج القنصل، وعلمت «الأنباء» في اتصال هاتفي أن القنصل عبير طه عودة تريثت في الخروج إلى المتظاهرين نحو ساعة من الوقت، ثم خرجت إليهم لتعلن خجلها من أداء السلطة في بيروت.
في سياق ذي صلة، أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في دردشة مع الصحافيين المعتمدين في القصر الجمهوري، أن هدفه تبيان حقيقة انفجار مرفأ بيروت من خلال التحقيق الجاري، مشددا على تحقيق العدالة وعلى أن أحدا لا يمكنه أن يدفعه باتجاه الخطأ أو يمنعه من كشف الحقائق، وقال «في هذه القضية لن يكون صغيرا أو كبيرا، بل ستكون أبواب المحاكم كلها مفتوحة أمام الكبار والصغار على حد سواء».
وشدد عون على «أننا أمام تغييرات وإعادة نظر بنظامنا القائم على التراضي بعد أن تبين أنه مشلول ولا يمكن اتخاذ قرارات يمكن تنفيذها بسرعة»، مستطردا بأن «لا تدويل للأزمة، فإذا لم نتمكن من حكم أنفسنا لا يمكن لأحد أن يحكمنا، ولن تمس السيادة اللبنانية في عهدي».
وأشار إلى انه في ظل الكلام عن قيام حكومة وحدة وطنية «يجب تحضير الأجواء المناسبة لذلك، ولا يمكننا أن ندعو إلى حكومة وحدة لنصل إلى الانقسام الذي شهدناه في الحكومات».
وردا على سؤال لـ «الأنباء»، أيّد الرئيس عون القول إن المطالبة بالتحقيق الدولي في قضية المرفأ الهدف منه تضييع الحقيقة، وشدد على أنه لا يعود للحكم أي معنى إذا طال صدوره، والقضاء يجب ان يكون سريعا لأن العدالة المتأخرة ليست بعدالة بل يجب ان تكون فورية وأيضا من دون تسرع ليتم التأكد ممن هو مجرم ومن هو بريء.
وكشف رئيس الجمهورية عن أن مسؤولية ما حدث تتوزع على ثلاث مراحل: كيف دخلت المواد المتفجرة الى المرفأ، وكيف وضعت، وكيف حفظت لسنوات حيث تعاقبت عدة حكومات كما تعاقب عدد من المسؤولين، وقد كتب البعض الى السلطات المختصة في المرفأ والمسؤولين عن الموضوع وأنذروهم بخطورة الموضوع، طبعا كان هناك عدم إدراك أو إهمال في القيام بالأعمال اللازمة.
وأضاف: كما أن ثمة احتمالين لما حصل: إما نتيجة إهمال أو تدخل خارجي بواسطة صاروخ او قنبلة.
وردا على سؤال آخر لـ «الأنباء» عن المشهد الذي عكسته تلبية رؤساء الأحزاب السياسية والنيابية دعوة الرئيس الفرنسي للجلوس إلى طاولة واحدة، فيما غاب بعضهم عن الدعوة التي وجهها رئيس الجمهورية في الإطار نفسه، وهل يمكن أن يعودوا لتلبية الدعوة الرئاسية اللبنانية، أجاب: الدعوة لعقد اجتماعي جديد أتت من قبل رئيس صديق، وآمل أن يعطي من سمعها مؤشرا لها، خصوصا أن الموضوع لم يكن محددا والمطالب مختلفة لكل الأفرقاء الذين لم يتفقوا على أمر محدد، لكن ما ذكرته أساسي، وعلينا أن نتابع المؤشر الذي قد يعطونه.