بعد نطق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بحكمها النهائي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم يحدث شيء مما كان متوقعا، لا بل حدث العكس: تيار المستقبل وأوساط 14 آذار لم يحتفلوا بصدور الحكم ولم يهللوا له، لا بل ارتسمت علامات «خيبة وإحباط».. الشارع ساده الهدوء والصمت، والمخاوف التي كانت موجودة إزاء ردود فعل سلبية وتوترات طائفية تبددت.. الانتقادات التي كانت تكال ضد المحكمة الدولية وصولا حتى اتهامها بـ «التسييس» كادت أن تنتقل من صفوف 8 آذار الى صفوف 14 آذار.. حزب الله بدا مرتاحا كمن يتنفس الصعداء ويخرج من استحقاق كبير وقطوع خطير بحد أدنى من الخسائر ونتيجة أفضل مما توقعها. ولكن الطرفين يقعان في خطأ المبالغة وسوء التقدير: المبالغة في الإحباط العائد أصلا الى مبالغة في الرهان على المحكمة.. والمبالغة في الارتياح لحكم عوض الأدلة بالشبهات السياسية.
الحكم الصادر بعد سنوات ومسار طويل ومعقد من التحقيقات والجلسات، وتجاذب سياسي حول المحكمة، والذي ينقصه الوضوح والأدلة، والغارق في تفاصيل مملة و«ملونة»، يمكن اختصار أبرز مضمونه في النقاط التالية:
٭ سليم عياش هو المذنب الرئيسي في الجريمة وصاحب الدور التنفيذي في عملية اغتيال رفيق الحريري.
٭ المتهمون الثلاثة: حسن مرعي، حسين عنيسي، وأسد صبرا غير مذنبين وتمت تبرئتهم لعدم كفاية الأدلة على مشاركتهم في العمل الإرهابي.
٭ عدم توافر القناعة لدى المحكمة بأن مصطفى بدر الدين كان العقل المدبر لاغتيال الحريري.
٭ أحمد أبو عدس ليس هو الانتحاري الذي قام بتفجير نفسه.. والانتحاري مجهول الهوية.
٭ لا دليل على أن قيادة حزب الله كان لها دور في الاغتيال، ولا دليل مباشر على ضلوع سورية.
٭ اغتيال الحريري عملية إرهابية تم تنفيذها لأهداف سياسية.
كان من السهل بعد صدور الحكم ملاحظة وقراءة علامات الخيبة في صفوف تيار المستقبل. فما كان منتظرا من المحكمة هو إعطاء القيمة لمفهوم العدالة الدولية وقدرتها على الالتزام بوعد المجتمع الدولي للبنانيين بعدم إفلات المجرمين من العقاب. وما حصل هو العكس تماما: كرر الحكم الحقائق المعروضة بين أشخاص وأجهزة هاتف خليوية وانتحاري مجهول، مستعيدا المقاربة ذاتها التي اعتمدها قرار الاتهام والتقارير الدولية للمحققين الدوليين.. قررت المحكمة أن لحزب الله وسورية مصلحة في اغتيال الحريري، ولكن لا يوجد دليل على مسؤولية قيادتي الحزب وسورية في الاغتيال، بل ان حسن نصرالله ورفيق الحريري كانا على علاقة طيبة في الأشهر التي سبقت الاعتداء. 15 سنة أريد لها أن تطوى من دون متهم واضح ومن دون أدلة كافية، وبما لا يشفي غليل من شحن عاطفيا وسياسيا في انتظار حكم وقرار كبيرين.. ما حصل عمليا في 18 أغسطس أن قضية رفيق الحريري دفنت مع المحكمة الدولية، وإذا كان اغتيال الحريري طوى مشروعه، فإن حكم المحكمة طوى اغتياله.
هذه عينة مما يقال في أوساط 14 آذار في حكم المحكمة الدولية الذي أخذ انفجار بيروت الكثير من وهجه، فيما قضى «الغموض البنّاء» على ما تبقى من هذا الوهج، والذي تسبب بأجواء إحباط الى درجة الكف عن المطالبة بحماسة واندفاع بتحقيق دولي في انفجار بيروت.. وهذه الأجواء ظلت هي الطاغية رغم جهود ومحاولات «واقعية ومنطقية» بذلها سياسيون وناشطون في 14 آذار لإظهار وجهة نظر أخرى تلوم الواقعين في الخيبة الذين يخدمون حزب الله في موقفهم. هذه الأوساط المقتنعة بأهمية الحكم الصادر وجدواه، تقدم الحجج والتبريرات الداعمة لوجهة نظرها:
٭ قامت المحكمة الدولية لهدفين الحقيقة والعدالة. المحكمة لم ولن تحقق العدالة ولكنها كشفت قدرا من الحقيقة يكفي لتهشيم صورة حزب الله و«ضميره» المستتر في سطور الحكم. لم يكن منتظرا أن يكون هناك وقع سياسي للحكم، خصصوا بعد انكشاف الحقيقة مع القرار الظني، والمهم اليوم هو ما يستقر في ضمير العامة ووعيها.. الأسماء والتفاصيل غير مهمة، جميعهم اسم واحد في حزب واحد.. وليس مهما أن المحكمة لم تقع على أدلة مادية أو ظرفية لأن حزب الله لم يتعاون مع التحقيق، ولأن المحاكمة غيابية. هناك من قرر القتل وهناك دافع سياسي للقتل.
٭ إذا لم يكن من أدلة دامغة، ثمة حقائق دامغة لا يمكن لأحد أن ينفيها:
ـ اعتبار الجريمة سياسية بما لا لبس فيه، وبالتالي وقوف تنظيم شارك العشرات من عناصره فيها وإن كان الكثير منهم على غير علم بطبيعة العمل.
ـ كشف أي جريمة ينطلق من مجموعة أسئلة: كيف ولماذا، من المستفيد من خطط، من نفذ؟! وقد أجابت المحكمة بوضوح على بعضها ليبقى التخطيط والتنفيذ غير مكتملين بسبب عدم اكتمال الدليل، وهو أمر طبيعي في ظل عدم مثول أي متهم أمامها والاستناد فقط الى دليل الاتصالات.
ـ أسقطت المحكمة كل الفرضيات والسيناريوهات من إسرائيل الى الجماعات التكفيرية، وحصرتها في فرضية واحدة هي حزب الله وسورية، ولو من دون إثباتات، والحيثيات التي رافقت الحكم أكثر أهمية من الحكم ذاته، إذ أكدت المحكمة أن الاغتيال جاء بسبب رغبة رفيق الحريري بإخراج سورية من لبنان، وقرار الاغتيال اتخذ بعد اجتماع «البريستول» ومشاركة المستقبل فيه.
٭ قضت التسوية التي تم التوصل إليها في مجلس الأمن عند التصويت على القرار الدولي 1757 لإنشاء المحكمة بأكثرية 9 أصوات، وامتناع 6 دول عن التصويت، الأخذ باشتراط روسيا ألا تشمل المحاكمة رؤساء دول وأحزابا وجمعيات كي تقبل بتمريره ولا تستخدم «الفيتو» ضده. فموسكو لم تكن متحمسة للمحكمة، وحين اضطرت لمراعاة الإصرار عليها من قبل دول عربية رئيسة مثل السعودية ومصر، سعت إلى التخفيف من الآثار السياسية الإقليمية لما يمكن أن تتوصل إليه. ومع ذلك، فإن سرد الحكم للوقائع السياسية تحت عنوان «الخلفية التاريخية السياسية» لم يترك مجالا للشك حول تحديد الهوية السياسية للجهات التي اتخذت القرار بالجريمة، مع إشارة نص الحكم إلى معرفة هذه الجهات عند اتخاذها قرارها بأنها احتسبت أن المنافع من الاغتيال أكثر من الأضرار، وأن للجريمة ارتدادات لبنانية داخلية وإقليمية كبرى.
حزب الله المعني مباشرة بهذا الحكم الذي كان أعدَّ نفسه لأسوأ الاحتمالات وحيد نفسه متجاهلا المحكمة مستخفا بها وغير آبه لها، أخذ من الحكم هذه الأجزاء التي تؤكد أن «لا دلائل الى ارتباط قيادة الحزب بالعملية»، مع إشارة معبرة الى علاقة طيبة كانت قائمة بين الحريري ونصرالله، ليعتبر أن هذا هو الأهم، أو ما يهم الحزب، والباقي تفاصيل.. فالمحكمة لم توجه اتهاما لحزب الله، ولو أنها اقتربت من ذلك، وهذا كان كافيا للاستنتاج بأن «جبل المحكمة تمخض عن فأر»، ولتمر «عاصفة الحكم» بهدوء ملحوظ. وكان كافيا للجم المراهنين على المحكمة وعدم وقوع «المستقبل» في أعمال انتقامية وعدم وقوع حزب الله في فخ الاستفزاز.. وبالتالي، فإن هذا الحكم جنب البلد مشكلا كبيرا وفتنة طائفية، وستكون له ارتدادات سياسية إيجابية على الوضع الداخلي، بدءا من عملية تشكيل الحكومة الجديدة.. حزب الله الذي رصد بارتياح حكم المحكمة لأنه كان أفضل الممكن وأفضل مما كان متوقعا، رصد أيضا موقف الرئيس سعد الحريري من لاهاي. وفي هذا المجال أبدت أوساط الحزب الارتياح أيضا لأن موقف الحريري اتسم بالهدوء والتعقل، وتضمنت كلمة الحريري نقطتين ورسالتين أساسيتين: الأولى تتصل بحزب الله مطالبا إياه بتسليم المدان الوحيد ـ أي سليم عياش ـ مؤكدا أن «المطلوب منه أن يضحي اليوم، هو حزب الله الذي صار واضحا أن شبكة التنفيذ من صفوفه، وهم يعتقدون أنه لهذا السبب لن تمسكهم العدالة ولن ينفذ بهم القصاص». الثانية ترتبط بالأهداف الكامنة وراء الاغتيال حيث قال «إننا اليوم سمعنا الكثير بالسياسة لماذا اغتالوا الحريري، وبات واضحا للجميع أن الهدف هو تغيير وجه لبنان ونظامه وحضارته وهويته، ولا مجال للمساومة على هويته وحضارته».
يبدو أن التضحية التي طالب بها الحريري، فهمها الحزب في مكان آخر، ليس في تسليم عياش، وإنما في الحكومة ومستقبل العلاقة الثنائية.