بيروت ـ عمر حبنجر
حكومة مصطفى أديب المرتقبة لا تزال بلا تشكيل ولا اعتذار ولا حتى مهلة محددة، ويعلق أحد نواب محور «الممانعة» على المواعيد السابقة التي ضربت لولادة الحكومة وكانت إما الاثنين أو الخميس، أي على غرار «اللوتو» الذي تجري سحوباته مرتين في الأسبوع في هذين اليومين.
وعليه، فإن الكلام عن مهلة مفتوحة أمام الرئيس المكلف ليس دقيقا، والحقيقة ان الخميس المقبل هو الموعد الجديد الذي جرى التفاهم عليه بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني ميشال عون والرئيس المكلف، وعلى أساس ان تتولى باريس متابعة اتصالاتها مع طهران لمعالجة الأزمة الحكومية في بيروت.
وقد تلقى الرئيس عون اتصالا هاتفيا من نظيره الفرنسي، حثه فيه على متابعة المساعي لتأمين ولادة الحكومة في أقرب وقت ممكن. كما اتصل ماكرون برئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس السابق للحكومة سعد الحريري للغاية نفسها.
وفي وصفها لوضعية الرئيس المكلف أديب، تقول المصادر المتابعة لـ «الأنباء»: عمليا هو الآن في شبه حالة اعتكاف بانتظار انتهاء المشاورات التي يجريها الوسطاء والغيارى، والحديث عن الخميس كآخر مهلة جديدة للتغطية على حالة الاعتكاف القائمة وعلى المماطلة التي تواجه المبادرة الفرنسية، على خلاف ما توقعه صاحبها المندفع حيال لبنان.
لكن وعلى الرغم من اتساع دائرة الاتصالات الدولية، بقي «الثنائي الشيعي» متشبثا بموقفه من التمسك بمقعد وزارة المال وبتسمية الوزراء الشيعة الآخرين مع الاحتفاظ بوزير الصحة الحالي د.حمد حسن الذي أثبت جدارته في التعامل مع ڤيروس «كورونا».
وقد أضاف الثنائي الشيعي الى مبررات هذا الموقف حيال وزارة المال عامل وقوف رؤساء الحكومة السابقين وراء رفض تكريس وزارة لطائفة محددة الذي يتطلب تعديلا دستوريا على الأقل.
ولا شك أن «الثنائي الشيعي» يحسب حساب البيان الوزاري للحكومة بعد تشكيلها، ووجوب انتزاع الاعتراف بحتمية الاشارة الى ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة»، وهو يحاول بإعاقة تجاوز الحكومة لحاجز وزارة المال تحقيق أكبر كسب ممكن من حساب تنفيذ الفتوى الايرانية بإبقاء لبنان بلا حكومة الى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وأكثر من ذلك، قال المدير العام السابق لوزارة الإعلام محمد عبيد لقناة «ال بي سي» صباح أمس ان المطالبة بوزارة المالية لمنع الدخول الى ملفات الفساد في الوزارة ومصرف لبنان ولعدم اعطاء الوزير الاذن للملاحقات القضائية.
وأضاف ان الطائفة الشيعية براء من المطالبة بتكريس وزارة المال، وان الغاية من كل ذلك هو الالتفاف على التدقيق الجنائي بحسابات الدولة لإخفاء سرقاتهم وفسادهم.
عبيد الذي خرج من كنف «حركة أمل» بعد خلاف مع الرئيس نبيه بري وبات اليوم اقرب الى حزب الله، من خلال مفهوم المقاومة، بدا كأول شخصية شيعية تجاهر علنا برفض استغلال المذهب للتغطية على فساد الفاسدين، معتبرا ان التوقيع الثالث في الدولة لا قيمة له وان تجربة علي حسن خليل في وزارة المال لخمس سنوات متواصلة انتهت بـ 81 مليار دولار ديوناً على الدولة، أما غازي وزني فقد التف على قرار مجلس الوزراء حول التدقيق المحاسبي عبر ربط فتح اي ملف بإذن وزير المال والتمسك بسرية المصارف حتى لا يصل المحققون الى رؤوس الفساد، ولهذا فقط التمسك بوزارة المال.
إلى ذلك، تقول اذاعة «صوت لبنان» الكتائبية إن الرئيس ميشال عون أبلغ رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد، خلال المشاورات الأخيرة، انه يطرح المداورة الشاملة لكل الوزارات وان حزب الله رفض اقتراحا وسطا لعون بأن يتولى هو شخصيا تسمية وزير المال الشيعي.
وهنا يعتبر الحزب ان الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل يتحركان تحت تأثير رسالة فرنسية رفيعة المستوى وصلت بالمباشر الى الرئيس عون وفيها تحذير من ان باسيل سيكون شخصيا على لائحة العقوبات بتهمة الفساد.
والى عون وباسيل ورؤساء الحكومة السابقين، يأتي موقف وليد جنبلاط الموجود حاليا في باريس، المتمسك بالمداورة في الوزارات بمعزل عن علاقته التحالفية مع الرئيس نبيه بري.
وتضاف الى كل هؤلاء الأحزاب المسيحية كافة والبطريرك الماروني بشارة الراعي خصوصا والذي أعلن الأسبوع الماضي، رفضه استملاك اي وزارة لأي طائفة او جهة.
وماذا في النهاية عن الحل؟ المحاولات مستمرة وكذلك الضغط، لكن التوقعات غير مشجعة، وفي معلومات «الأنباء» عن آخر صيغ الحلول الطرح على الفرنسي اقناع معارضي تكريس وزارة المال للثنائي الشيعي في هذه الحكومة المقدر لها ثلاثة اشهر، بحسب مبادرة ماكرون، على ان تبدأ المداورة في الحكومة التالية، وثمة طرح آخر ان يتولى رئيس الحكومة تسمية الوزير الشيعي لوزارة المال، ونقطة ضعف هذا الطرح ان ما رفضه الثنائي من الرئيس عون لا يمكن القبول به من الرئيس أديب، وآخر الطروحات ان يتولى الثنائي الشيعي اختيار وزير سني او مسيحي لوزارة المال على اعتبار ان سقوط مبدأ المداورة سقوط للمبادرة الفرنسية «ولا يمكن المسايرة بعد الآن».
والرهان الآن على الاتصالات الفرنسية- الإيرانية على امل اقناع طهران بإبعاد لبنان، الغارق في الشقاء، عن جدول حساباتها مع الانتخابات الأميركية.
رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أكد أمس وقوفه الى جانب المبادرة الفرنسية التي قال انها مبادرة مواصفات لا اشخاص، قائلا: «ليستشر اديب القرود السود، فما يهمنا النتيجة»، معتبرا ان مطالبة الثنائي الشيعي بوزارة المال تضرب المبادرة الفرنسية في الصميم لأن في هذه الحالة ستبقى وزارة الطاقة مع التيار الحر، وان تطيير هذه المبادرة لتثبيت الكلام يعد تخريبا مباشرا للبلد، مشيرا الى ان الرئيس المكلف أراد الاعتذار من اللحظة الاولى لكن كل الفرقاء تمسكوا به لأنه اذا اعتذر دخلنا في الدهاليز.