حمل وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الى موسكو عرضا أميركيا خطيا «من ترامب الى بوتين». هذا العرض الأميركي أراده ترامب دوليا ـ إقليميا، إذ حرص على استباق زيارة وزير خارجيته باجتماع لوزراء خارجية مجموعة السبعة في إيطاليا، إضافة الى حضور عدد من وزراء دول عربية. في هذا الاجتماع الذي امتد ليومين تمحور البحث حول ثلاث نقاط: الأولى ربط الأزمة السورية بملفي جزيرة القرم وأوكرانيا، والثانية التلويح بفرض عقوبات إضافية على روسيا في حال لم تستجب إلى العرض، والثالثة دور الأسد. أما «العرض»، فيتضمن تخفيف العقوبات على روسيا وإعادتها إلى نادي «الثماني الكبار» والتعاون في محاربة الإرهاب، مقابل وقف نار كامل في سورية لا يشمل الإرهابيين وإطلاق عملية انتقال سياسي جدية تحافظ على المؤسسات وتؤدي إلى خروج الأسد، وضرورة أن يكون هذا ضمن عملية انتقال سياسي لا تؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة والحكومة ولا تؤدي إلى تكرار نموذجي ليبيا أو العراق بعد تغيير النظامين فيهما. وقد تمت صياغة العرض بدقة متناهية، فهو لم يتضمن الإشارة مباشرة إلى أوكرانيا أو القرم ولا إلى التلويح بعقوبات إضافية على روسيا، إضافة إلى أنه لم يشترط تنحي الأسد قبل بدء المرحلة الانتقالية بل قبول بوتين عملية انتقالية ذات صدقية تؤدي إلى خروج الأسد من دون انهيار المؤسسات، إذ ان هناك فرصة سانحة الآن لإقناع روسيا بأن تحالفها مع الأسد لم يعد في مصلحتها الاستراتيجية.
يقف بوتين ازاء هذا العرض الأميركي (الدولي العربي) أمام خيارين:
1 ـ قبول بوتين بهذا العرض. في هذه الحال يمكن عقد صفقة تتضمن وقفا شاملا للنار عدا قتال الإرهابيين وصدور قرار دولي بمبادئ الحل السياسي، واستئناف مفاوضات جنيف على أرضية تتضمن جدية من ممثلي الحكومة والمعارضة ودعم ذلك خلال اجتماع المبعوث الدولي ستيفان ديمستورا بمجلس الأمن، إضافة إلى بحث تفصيلي باحتمال نشر مراقبين عرب وإقليميين برعاية دولية في سورية لتنفيذ الاتفاق السياسي. يقول محللون غربيون انه في ظل المساعي العربية لتشكيل جبهة موحدة تعيد إحياء خيار عزل الأسد، قد يواجه بوتين صعوبة أكبر في الدفاع عنه هذه المرة. فالإجماع الدولي على التنديد بمجزرة خان شيخون يحشر موسكو. والهجوم بذاته أحرج بوتين وأظهره ضعيفا. بالطبع سيكون سهلا على بوتين التخلي عن الأسد. دعمه له كلفه الكثير. لكن الدفاع عنه سيكلفه أكثر بكثير وستكون له تداعيات خطيرة جدا هذه المرة إذا قرر جنرالات ترامب توسيع الأهداف الأميركية في سورية من تدمير «داعش» الى إنهاء الحرب والضغط لتسوية سياسية.
2 ـ رفض بوتين للعرض الأميركي والرد على التصعيد الأميركي بتصعيد مماثل. وهذا ما بدأت طلائعه تظهر من خلال الدعوة الى اجتماع لوزراء خارجية روسيا وإيران وسورية في موسكو الأسبوع المقبل. ويرجح أن إيران لن تسمح بعقد صفقة كهذه وهي متمسكة بالرئيس الأسد، الأمر الذي ظهر في مبادرة الرئيس الإيراني حسن روحاني بالاتصال بالأسد وبوتين لرفض العدوان الأميركي وإعلان تحالف تنظيمات بقيادة طهران أن الضربات الأميركية تجاوزت خطوطا حمراء، وأن هذا التحالف سيرد على أي عدوان جديد وسيزيد من دعمه للأسد. وتفيد معلومات في بيروت بأن فريق سورية وروسيا وإيران يدرس المستجدات المتسارعة من زاوية عدم ترك المبادرة بأيدي خصومه، وسط نقل الأميركيين طائرات مقاتلة وأخرى قادرة على حمل صواريخ كبيرة إلى مناطق قريبة في البحر أو في قواعد في تركيا والأردن. وبالتالي، فإن ما تريده واشنطن لا صدى له في أروقة الكرملين. في حال رفض بوتين هذا العرض، يتوقع محللون أن تتجه أميركا إلى قيادة حلف دولي وإقليمي يؤدي إلى السيطرة الكاملة على شرق نهر الفرات بعد طرد «داعش» منها وبحث إقامة «مناطق استقرار موقتة» شمال سورية وجنوبها لإعادة لاجئين إليها وتحويلها إلى مناطق نفوذ إقليمي ودولي من دون تنسيق الحرب ضد «داعش» بين الجيشين الأميركي والروسي، إضافة إلى ترك «سورية المفيدة» غرب الفرات إلى النفوذ الروسي والإيراني وحرمان هذه المناطق من الموارد الاقتصادية والنفطية والغازية الموجودة شرق النهر الخاضعة لسيطرة الأكراد وترك مناطق النظام مدمرة من دون أي موارد مالية للإعمار مع استمرار غرق روسيا في المستنقع وتنامي التطرف والإرهابيين اللذين يمتدان إلى أراضيها.