Note: English translation is not 100% accurate
قدمها جرير عبدالله بعد مشاركته في المهرجان
دراسة تحليلية لعروض «الكويت الدولي» للمسرح الأكاديمي الخامس
20 مارس 2015
المصدر : الأنباء



المهرجان شهد ثمانية عروض أكاديمية لسبع فرق مسرحية من بلدان مختلفة
العرض الإيطالي تناول مسألة حياة الإنسان وما تمر بها من ضغوطات ومصاعب قدم الفنان جرير عبدالله من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد دراسة تحليلية لعروض مهرجان الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي الخامس، جاء فيها:
استضاف المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت المهرجان المسرحي الدولي الأكاديمي بدورته الخامسة على التوالي وذلك برعاية وزارة التربية والتعليم العالي وبرئاسة عميد المعهد العالي للفنون المسرحية د.فهد الهاجري، كما جاء المهرجان بإدارة العميد المساعد للشؤون الطلابية د.راجح المطيري. وقد استضاف المهرجان ثمانية عروض مسرحية قدمت جميعها على خشبة مسرح الفنان المسرحي الراحل (حمد الرجيب 1922-1998) في المعهد للفترة من 18 وحتى 28 فبراير 2015 والعروض بحسب جدول المهرجان: «اضحك انت عربي - الكويت»، «فيديريكو بين الاسنان - اسبانيا»، «الغرباء لا يشربون القهوة - مصر»، «الهشيم - المغرب»، «الحارس - العراق»، «في عقلي - ايطاليا»، «ماماميا - تونس»، «مجرد نفايات - الكويت»، اضافة الى عرضين آخرين جاءا خارج المنافسة قدم الأول في حفل الافتتاح للمهرجان حيث استعرض د.هاني النصار وهو مدرس في قسم التمثيل والإخراج المسيرة التاريخية لتطور فن التمثيل عبر مشاهد جاءت متسلسلة تسلسلا منطقيا بحسب ما جاء في المصادر التي تحدثت عن هذا الفن ومراحل تطوره. وقد برع المخرج النصار في تسليط الضوء على ابرز الحقب التاريخية التي ساهمت في نشوء هذا الفن وتطوره عبر الزمن ابتداء من محاكاة الإنسان القديم للحيوان في العصور الحجرية وهو ما عده المؤرخون بأنه النواة الأولى لفن التمثيل، ومرورا بالعصور الفرعوني والإغريقي والروماني وكذلك عصر النهضة وتأثيراته الإيجابية على فن المسرح، كما اشار العرض في احدى شخصياته الى الممثل الانجليزي الصامت (تشارلز تشابلن Charles Chaplin 1977-1889) وتعد هذه الإشارة التفاتة ذكية من قبل المخرج الى التنوع الذي طرأ على أداء الممثل فيما بعد عصر النهضة. وينتهي عرض الافتتاح بأداء جماعي من قبل الممثلين وذلك باستدعاء حركات شعبية راقصة من التراث الخليجي حيث تشير هذه الحركات إلى التعبير عن حالات الفرح والترحاب عند الوعي الجمعي العربي عموما، والخليجيين منهم بصورة خاصة، ثم استحضر العرض اسماء الدول المشاركة وكذلك الأعلام الرسمية لهذه الدول والتي ظهرت على شاشات تحيط بخشبة المسرح حيث تمكن المخرج من توظيف هذه الشاشات توظيفا فعالا ومنتجا إذ استطاع من خلالها أن يعبر عن البيئة (الزمكانية) لتعدد الحقب التاريخية المشار إليها أعلاه، وبمساعدة الأزياء والماكياج وكذلك اجادة الممثلين التي انسجمت ايضا مع ذلك التعدد والتنوع في الشخصيات استطاع العرض أن يحقق التواصل بين المرسل والمرسل إليه. كما اجتهد ذات المخرج في تقديم عرض اخر في حفل الختام اعتمد فيه على الجانب الكوميدي من خلال استحضار مشهد من كل عرض شارك في المهرجان ليشاهد الحضور (كولاجا) مسرحيا بنكهة كوميدية. ومن الجدير بالإشارة تلك الطاقات التمثيلية الشابة التي توافرت في طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية من الذين ساهموا في عروض حفلي الافتتاح والختام.
تنوعت العروض تنوعا إيجابيا حيث شهد المهرجان ثمانية عروض أكاديمية لسبع فرق مسرحية من بلدان مختلفة كما تمت الإشارة اليه مسبقا، لقد جاء هذا التنوع منسجما مع المرجعيات الثقافية والاجتماعية والسياسية لتلك البلدان. لاسيما وان المهرجان استضاف في نسخته الأخيرة هذه عروضا أوروبية عبر الحضور الفاعل للفرقتين الإسبانية والإيطالية وهذا ما ساهم في إضفاء الصبغة العالمية على طابع المهرجان. لقد ساهم هذا التعدد الكمي/ النوعي للعروض المشاركة في نشر الوعي ما بين الجيل المسرحي الأكاديمي من المشاركين، اضافة الى ان هذه التعددية خلقت فرصة للتلاقح المعرفي عبر التنوع في اشتغالات العرض المسرحي وبالتالي يكون المشاركون قد تعرفوا على أنماط مسرحية جديدة قد تبتعد او تقترب من النمط المسرحي المألوف بالنسبة لهم.
العروض المسرحية
لقد جاءت العروض متفاوتة بشكل واضح من الناحية الفنية حيث تنوعت الاشتغالات المسرحية التي بعضها ركزت على المنطوق اللفظي حتى بات نص المؤلف مهيمنا على نص العرض ومجرياته إذ ركن اغلب المخرجين الى الاعتماد على الحوار المنطوق في إيصال المعنى، بينما البعض الآخر من العروض غادر نص المؤلف ليكون له كيان خاص ومستقل، مرجحا المنظومة البصرية على حساب اللغة المنطوقة في إيصال الرسالة، وربما جاء هذا التنوع في نظم الاشتغال من تنوع الفرق الأكاديمية المشاركة وذلك باعتبار ان اللغة المنطوقة قد تكون عائقا بالنسبة لبعض تلك الفرق (الأوروبية) من حيث الإرسال والاستقبال على حد سواء، إضافة الى سطوة الرؤى الإخراجية لأولئك المخرجين الذين غادروا مسألة تقديس النص واكتفوا بالتقاط جزيئاته ليبنوا على تلك الجزيئات صرحهم الإخراجي حسبما يتفق ومعتقدهم الايديولوجي والجمالي.
ففي العرض الأول من المهرجان قدم طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت عرضا بعنوان «اضحك انت عربي» من تأليف باسل الطه واخراج الطالب مشاري المجيبل، حيث تناول العرض الواقع العربي بطريقة «تراجيدية/ كوميدية» من خلال تسليط الضوء على بعض النقاط الجوهرية في حياة الفرد العربي من جهة، وواقع الأمة العربية من جهة اخرى والأمنيات التي أصبحت تتوارث من جيل إلى آخر دون ان تتحقق في ظل حكومات باتت تخشى التفكير في تحقيق تلك الأمنيات، في اشارة الى القضية الفلسطينية.
أما في اليوم الثاني فقدم المعهد العالي للفنون الدرامية القادم من إسبانيا عرضا مسرحيا بعنوان «فيديريكو بين الاسنان» حيث كان النص إعدادا عن بعض قصائد الشاعر الإسباني «لوركا» وكان الإخراج جماعيا كما صرحت Dr.Sonia Molina عميد المعهد ورئيسة الفرقة. ركز العرض على الجانب البصري في طريقة الاشتغال كما اعتمد أيضا على قدرة الممثلات الجسدية في الأداء الجسدي والصوتي، اضافة الى توظيف تقنية خيال الظل في بعض المشاهد والتي جاءت لتخدم فكرة فلسفية مفادها ان ظل الإنسان باق حتى بعد زوال الإنسان نفسه، والمقصود تلك الأعمال التي يتركها ذلك الإنسان بعد رحيله في إشارة الى أشعار «فيديريكو غارسيا لوركا» ذلك الشاعر الذي بقي خالدا بأشعاره في ذاكرة التاريخ. اذ بني العرض على إعداد مجموعة من قصائده.
وجاء اليوم الثالث وهو من حصة المعهد العالي للفنون المسرحية في مصر بعرض «الغرباء لا يشربون القهوة» من تأليف محمود دياب واخراج محمد عادل، حيث كان النص هو بطل العرض، بينما جاءت رؤية المخرج متواضعة حيث اقتصرت على رسم الخطة الأرضية للممثلين والتي جاءت بين منظر ثابت طيلة مدة العرض ليس لثباته مبرر، كما لم يكن لوجوده مبرر يذكر.
أراد النص/ العرض أن يؤكد على قضية استباحة الأوطان من قبل الغرباء، وربما هي إشارة الى استحلال مغول العصر (داعش) للمدن الآمنة ومنها سورية والعراق وسيناء في مصر، والغرباء هنا كمصطلح وليس معنى، اذ ان من حملوا صفة الغرباء هم من جنس صاحب الدار إلا أنهم مختلفون معه في السلوك والمظهر، وهذا ما جاء به العرض (المخرج) والممثلون للشخصيات المحتلة.
وكان العرض الرابع لمسرحية «الهشيم» التي قدمها طلاب جامعة عبدالملك السعدي من المغرب للمؤلف العراقي عبد الأمير شمخي ومن اخراج سعيد الهراسي وقد جاء نص العرض ببنية دائرية انتهت من حيث بدأت، اذ يصرح العرض في بدايته عن انتظار الخلاص وذلك على لسان شخوصه التي بدت مستسلمة للواقع على الرغم من إدراكها لتعاسته، إلا أنها (الشخصيات) فضلت انتظار الخلاص الذي ربما سيأتي يوما ما لمواجهة الواقع وإحداث التغيير، أما المعالجة الإخراجية فلم تؤسس لشيء بقدر ما أسسته لغة النص الأدبي.
ثم العرض الخامس والفرقة العراقية القادمة من جامعة بغداد - كلية الفنون الجميلة - قسم الفنون المسرحية فقد قدمت عرضا مسرحيا بعنوان «الحارس» من تأليف الكاتب الانجليزي هارولد بنتر واخراج الطالب حسن حسون الذي عمل على تفكيك النص ليوظف إحدى جزيئاته توظيفا دراميا أراد من خلاله ان يحاكي الواقع المرير الذي خلفه الاحتلال الأميركي للعراق بعد عام (2003) لما لذلك الحدث من تأثيرات سلبية ساهمت في تأجيج التفرقة الطائفية التي مازالت تلقي بظلالها على واقع المجتمع العراقي، والتي كانت التيمة الأساسية والمهيمنة على نص العرض بعد ان تبناها المخرج ليفعل بذلك رؤيته الإخراجية والتي جاءت مغايرة للنص الأدبي، حيث ان «بنتر» ينتصر للأخوين عبر تماسكهما وطرد الحارس/ المحتل.ومن مبدأ الاختزال عبر تفعيل الجانب البصري على حساب الملفوظ فقد سعى «حسون» الى تهميش لغة النص انحيازا منه لإنشاء صور بصرية أراد من خلالها ان يقول كل شيء حتى بدا الشكل متخما بتلك الصور التي أثقلت كاهل المتلقي وتسببت في انقطاع التواصل أحيانا.
أما الليلة السادسة من المهرجان فكانت لأكاديمية المسرح من إيطاليا ليقدموا عرضا مسرحيا ينحاز في أسلوبه الى «المسرح الموسيقي» بعنوان «في عقلي» وهو تأليف واخراج جماعي بحسب المشرف العام للفرقة (Fabio Omodei)، وقد تناول العرض مسألة حياة الإنسان وما تمر بها تلك الرحلة من ضغوطات ومصاعب، وقد اعتمد العرض في خطابه على الجانب الحركي حيث استجابت أجساد الممثلين للإيقاع الموسيقي الذي استمر طيلة فترة العرض ليقدموا أداء يجمع ما بين الحركة والرقص ضمن منظومة أدائية تنتمي للمدرسة التي أسسها الممثل الفرنسي الصامت (مارسيل مارسو- Marcel Marceau 1923-2007) والتي تنص على توظيف جسد الممثل توظيفا يشبه الآلة عبر إتقان الحركة واختزالها للتركيز على المعنى. كما استعان العرض ببعض الحوارات المؤداة باللغة الانجليزية على اعتبارها لغة متداولة اكثر من اللغة الرسمية لمؤسسي العرض (الإيطالية). لقد استحوذ الإيطاليون على دهشة الجمهور من خلال تماسك إيقاع العرض الذي بني على أرضية موسيقية ممزوجة بأداء ناضج للتعبير عن فكرة قريبة من المفاهيم الإنسانية المشتركة.
أما العرض التالي فهو مسرحية «ماماميا» التي قدمتها جمعية المنستير من تونس، والمسرحية من تأليف واخراج بسام حمامة حيث استعان في كتابة النص بالمفردات المستخدمة في المطبخ وكذلك طرق الطهي والكيفية التي يتم بها تحضير الوجبات في إشارة ترمز الى تحضير الطبخات السياسية وقد افترض المؤلف/ المخرج ان «الأحداث/ الطبخات» تحضر في قبو تحت الأرض ولفرضية المكان هذه اكثر من معنى: الأول هو سرية المكان (التورية) في صناعة وتحضير الطبخات (الغذائية/السياسية) حيث تحضر بعيدا عن دراية متذوقيها من عامة الشعب.
والمعنى الثاني يدل على التفاوت الطبقي ما بين صانعي الطعام (الطباخ والنادل/الشخصيات) من جهة، وبين من سيتناولون هذا الطعام من الذين يمثلون علية القوم من الطبقة البرجوازية. أما الإخراج فلم يكن بمستوى ذلك الترميز الذي تضمنه النص، فقد هيمنت المباشرة على مجريات العرض.
أما العرض الأخير من أيام المهرجان فكان أيضا للمعهد العالي للفنون المسرحية من الكويت حيث قدم طلاب المعهد مسرحية «مجرد نفايات» وهو نص (مونودراما) للمؤلف العراقي قاسم مطرود بعد ان قام الطالب مصطفى محمود بإعداد النص وإخراجه برؤية مطابقة لرؤية المؤلف من حيث طبيعة الشخصية التي تمثل شخصية المثقف الذي يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن يوظف ثقافته في خدمة السلطة التي كان هو احد معارضيها والمنتقدين لها، أو يعاقب بالموت، وبعد ان يفقد هذا المثقف عائلته وماضيه بل وحتى حاضره لم يجد خيارا غير الانهزام عبر البحث عن الموت. أما بالنسبة لتأثيث فضاء العرض فقد جاء، كما اقترحه مطرود، اكياسا من النفايات تمثل الماضي الثقافي للشخصية والتي شغلت حيزا كبيرا بالنسبة لمساحة المسرح.
لقد أفرزت العروض وبشكل حقيقي جيلا قادما من الشباب المسرحي الأكاديمي ولاسيما الممثلين منهم، فقد برزت طاقات تمثيلية لا يستهان بها تمكنت من المساهمة وبحجم كبير في الارتقاء بعروض المهرجان الى مكانة افضل، وعلى النقيض فقد افتقر المهرجان الى الطاقات التمثيلية النسوية واقصد تحديدا العروض العربية والتي بلغت 6 عروض حيث لم نر سوى ممثلتين فقط، وهما روان الصايغ من الكويت والتي ساهمت كممثلة في كلا العرضين اللذين قدمهما المعهد العالي. والممثلة الثانية هي سكينة الناجي من المغرب. وهذه نقطة يجب الانتباه لها ومعالجتها إذا ما كنا نطمح لبناء مسرح أكاديمي عربي ينسجم مع التطلعات المرتقبة. أما بالنسبة للعروض الأوروبية (الإسباني - الإيطالي) فكانت على العكس تماما حيث شكل العنصر النسوي الدور الأكبر في أداء تلك العروض.
أما فيما يخص التقنيات من اضاءة وديكور وصوتيات فلم يدخر طلاب المعهد العالي بقيادة د.فهد المذن في قسم الديكور ادنى جهد، حيث كانوا الجنود المجهولين الذين ساندوا كل العروض من خلال عملهم الذي كان يستمر حتى الصباح ليتزين المهرجان بأبهى صوره.
للعراق مساهمة فعالة في مختلف الأصعدة حيث تعتبر هذه المشاركة هي الاولى من نوعها بعد مرور ربع قرن تقريبا على تأزم الأوضاع السياسية التي قطعت السبل ما بين البلدين المتجاورين، إلا أن المسرح جسر للتواصل، فبالإضافة الى العرض المسرحي المشارك فقد تم اختيار أ.د.قاسم مؤنس عميد كلية الفنون في جامعة بغداد كعضو في لجنة التحكيم المشرفة على عروض المهرجان.