كتب محمد بسام الحسيني
ليس مبالغة بل من الإنصاف أن نطلق على الفنان الكويتي الشاب حمود الخضر صفة «العالمي» فناً، شهرةً.. وبالتأكيد أداءً.
أشبه بعبور نسيم لطيف مرّ حفله في دار الأوبرا الكويتية بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي أمس الأول، مكتسبا رونقا خاصا أتاحته هيبة المكان وكلاسيكيته التي وفرت نوعا من «الحل الوسط» بين التواقين للإنصات وجموع المتحمسين للمشاركة في الغناء.
شدا حمود بـ «ريپيرتوار» غالبيته من ألبوميه «فكرة» و«أصير أحسن» يرتكز على انتقاء عصري بغاية العناية للمفردات والصور الشاعرية والجمل اللحنية، فانسابت أغنياته الواحدة تلو الأخرى رشيقة نضرة كصوته، وعفوية سهلة كاللغة المحكية المستوحاة منها.
بسهولة وتلقائية، لامسَ على مدى نحو ساعتين أوتار المشاعر في قلوب الجمهور المتفاعل حد النشوة، وبدا مستعداً للأمسية بشكل جلي ينم عن درجة متقدمة من النضوح والاحتراف، فلاقَ به وقوفه الأنيق والحيوي على خشبة الأوبرا.
من اللحظات الأولى، أحدثت «الكيمياء العجيبة» بين نجم الحفل وجمهوره فعلها، فلم تعد الكلمات مجرد كلمات، بل رموز للغة إيجابية فريدة تتغنى بكل جميل من القيم.. العزم والصدق والحكمة والمثابرة والطموح وحب الوالدين والتسامح والتطوع والإنسانية.
لا يوجد في العالم العربي وربما العالم اليوم مغنٍ يحتفي بهذا القدر من الإيجابية والتفاؤل المتدفقين مع فيض من الموسيقى الموازية المفعمة بالتجديد والمزج بين أنغام كل من الشرق والغرب، على إيقاعات فرقة كان لها بدورها من نجومية الأمس نصيب وافر.
وزاد المشهد جمالاً مشاركة عازف الكلارينيت الكويتي عبداللطيف غازي وعازف الغيتار البحريني محمد جباري.
بدأ الحفل بمطلع لحن سيد درويش الشهير «زوروني كل سنة مرة» ليطل حمود على المسرح مغنياً «عين ما صلت على النبي» ثم «فكرة» و«اضحك»، قبل ان «يغير الجو» بـ «عزابي» التي تقتبس لحن رائعة كارم محمود «عنابي» وتستبدل كلام الغزل فيها بآخر يجسّد حيرة ووحدة الشاب العازب، وكذلك انشغال المتزوج «قبل المدام والجيزة كان بينا صحبة لذيذة دي الوقت عايز فيزا علشان أشوفك!».
ومن ثم أعاد حمود الجمهور الى أجوائه المألوفة مع «هأنذا» ليليها فاصل طربي رفيع المستوى بأداء «الليل يا ليلى» للراحل الكبير الصافي، أداها بكل ما أُوتي من رهافة إحساس ومقدرة صوتية.
وتواصل الحفل مع «خله» و«لعله خير» و«لا نحتاج المال» و«أحلى شعور» و«مد» الجديدة و«كل لغات العالم» في ظل تصفيق وتمايل الجمهور المندمج وهو يصغي لكل الحروف تتراقص وليس «الميم» وحدها كما تقول الأغنية.
لم يخلُ الحفل من رسائل سياسية، حيث أعرب حمود عن اعتزازه بدور الكويت بقيـــــادة قائد الإنسانية صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، وموقفها المحايد في الأزمة الخليجية وسعيها للمصالحة، آملاً عودة العلاقات بين دول مجلس التعاون لطبيعتها في أقرب وقت مغنياً «خليجنا واحد.. مصيرنا واحد.. وشعبنا واحد».
وطوال السهرة، حرص عند كل فاصل بين أغنيتين على الحديث مع الحضور بعفوية ممزوجة بالمزاح، خالية من التكلف، وقريبة من القلب: «لن أقول لكم إن صوتي متعب فعادة ما يبدي الفنانون ذلك ليكون عندهم عذر إن لم يؤدوا بشكل جيد أو ليحصدوا الإعجاب الشديد إن أجادوا حيث سيقول الناس انهم تألقوا رغم التعب».
كما تحدث عن أخطاء الترجمة الناتجة عن استخدام البرامج الآلية بينه وبين محبيه متعددي اللغات، وعن معاتبة والده الودية لأن الأم تحصل دائما على قدر أكبر من الاهتمام في الأغاني بينما كانت أول أغنية له عن الأب «أنا لست ممن قالوا كان أبي!».
الملاحظة الوحيدة على الحفل تنظيمية وليست فنية، وتتمثل بإقامته في منتصف الأسبوع وبالتزامن مع انطلاق الموسم الدراسي وموسم العمل بعد الإجازات.
الفنان الحقيقي «منتِجٌ» مجدد للفن بأدواته وموهبته الذاتية، يحمل معه الى المسرح حالة خاصة واستثنائية وليس «منتَجاً» جامدا، وباختصار أكد حمود الخضر مكانته الفنية الحقيقية التي شهد عليها جمهوره في الأوبرا، تماما كما تلك القاعة الأيقونية والأنيقة التي بدت بكل أرجائها سعيدة وزاهية لأن من وقف على خشبتها وأجاد هو أحد أبناء الكويت.. بلد الفن والإنسانية ماضيا وحاضرا.