محمد بسام الحسيني
«محمد علي رود» من إنتاجات الموسم الضخمة، حشد من النجوم يتصدون لتجسيد قصة غنية العناصر يدور فيها الصراع على مستويات عدة بمحركاته التقليدية: الطبقية الاجتماعية، الغيرة والثأر، الشر والحسد والطمع، والغدر مضافاً إليها أجواء من السحر والماورائيات.
في البداية، المأخذ على العمل مجيئه مباشرة بعد سلفه «الديرفة» لنفس المؤلف محمد أنور (الذي شارك في كتابة مسلسل العام الماضي) وينسل منه خطوطاً مكررة تبدو واضحة لكل من شاهد العملين سواء على مستوى الأحداث أو الشخصيات.
وخلال الحلقات الخمس الأولى كانت ظلال «الديرفة» تُخيِّم بشكل «فاقع عليه».
بعد ذلك، انطلق العمل بزخم ووتيرة أفضل مع وضوح قصة عبدالوهاب (سعد الفرج) وصراعه مع بوعبدالعزيز (جاسم النبهان)، وبروز النوايا الشريرة لسلطانة (هيفاء عادل)، بدءاً من تعاونها مع غازي (عبدالله بهمن) الذي ينضح شراً، وصولاً لاكتشافنا حبها الماضي لعبدالوهاب وعودتها إلى الكويت من فيلكا لتعويض فقدانها فرصة الاقتران بِه عبر استمالة النوخذة شهاب (محمد المنصور)، ناكرةً جميل احتضان زوجته وبناته لها ولابنها.
هذان الخطان في القصة نقلانا لنعيش أجواء متمايزة إضافة إلى عالم تجارة البحر والبحارة وحياة شارع محمد علي رود في «بومباي»، المدينة التي كانت تُشكّل الحلم بالثراء آنذاك.
يتّسم العمل بالعناية بالتفاصيل الصغيرة واستخدام جمالي لـ «لغة الأشياء» والرموز مثل الطاووس والزخارف والأدوات والآلات، كما يلفتنا في النص تلك «الزهيريات» الشعرية الوجدانية في العديد من المونولوجات التي تثري المسار الدرامي وتعطيه أصالة تُضاف لأجوائه.
لكن هذا الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة قابله أيضا أخطاء بعضها فادح مثل خطأ (فوزية) فاطمة الحوسني، عندما استبدلت اسمي النبيين يونس ويوسف- عليهما السلام -، وبعض المبالغات في الحوار واستراق السمع والمغازلات في وضح النهار باستمرار.
السيناريو وحبكة العمل صِيغا بشكل جيد، واستطاع الكاتب أن يقدم لنا وتيرة تصاعدية للأحداث والصراعات، فضلاً عن رسم وتقديم موفق للشخصيات، وعزّز تدرجه بشحنات متواصلة من التشويق والتمهيد للتطورات عبر إشارات ومفاجآت غزيرة، ففي كل حلقة نكتشف جديداً يستكمل أحجية القصة بقطعة إضافية تُضاف لسابقاتها.
على مستوى التمثيل، الأداء مقبول عموماً مع تميز يُسجل لفتات سلطان (فتوح شقيقة عبدالوهاب) التي ورغم إسناد دور مساعد لها إلا أنها استطاعت فرض شخصيتها باقتدار مُقدّمة أحد أجمل أدوار الموسم.
هيفاء عادل الفائزة كأفضل ممثلة بشعلة «الأنباء» ٢٠١٩ عن دورها في «الديرفة» تعود بشخصية معجونة بالشر والنقمة، وهي الوحيدة من «كاست» العام الماضي التي لم تجعلنا نشعر بالتكرار بخبرة كبيرة تستحق التنويه.
الثلاثي القدير سعد الفرج ومحمد المنصور وجاسم النبهان يتصدون لأدوار مناسبة لكل منهم، وساهم وجودهم في إضفاء ثقل وهيبة للعمل، مع أن شهاب (المنصور) يكرر أيضا خطّه السابق في التعلق بامرأة تتودد له رغم وفاء زوجته كما في «الديرفة».
بالمقابل تشدنا المواقف الانفعالية لعبدالوهاب (سعد الفرج) ولحظات ضعفه وانكساره واعترافاته.
ومن نقاط القوة تمثيلياً، شخصية مشاري الوصولي التي يؤديها خالد أمين بقدرات لافتة افتقدناها منه في المواسم الماضية.. خالد مميز في هذا العمل ووجوده عوّض إلى حد ما الظهور المكرر دون مبرر للثنائي نجلاء (بثينة الرئيسي) وحسين (حسين المهدي) في نفس قصة الحب التقليدية.
وأخيراً شخصية غازي «النفسية» ويقدمها عبدالله بهمن بمجهود يبذله بالاعتماد على حركة الجسد والعيون لتجسيد الشر والخطر، وقد أدى المطلوب في أغلب المشاهد، ومنها مثلا مشهد اعدام الطائر وحديثه مع زوج سلطانة قبل قتله وخطفه منيرة، وتقدّم مقارنة بشخصية مبارك في «الديرفة» التي تشترك مع (غازي) ببعض الصفات.
بطلا «محمد علي رود» الأساسيان هما الإنتاج والإخراج؛ فالعمل من أقوى الإنتاجات هذا العام، واستغله المخرج مناف عبدال ليفرد عضلاته الإخراجية ويتفنن مشهداً بعد مشهد.
وبقدر ما تسرح عيوننا مع تصويره للبحر وحركة الشارع والسوق حيث الإضاءة الساطعة، فإنه يتألق في تقديم مشاهد الكوابيس وأجواء الغموض والسحر، فضلاً عن العديد من المناسبات الممتعة مثل الجلسة التراثية في منزل عبدالوهاب في بومباي.
محمد علي رود من الأعمال المنافسة بقوة هذا الموسم ورغم طفرة الأعمال التراثية يبدو من خلال الأصداء الواسعة التي يلقاها أن الجمهور لم يمل بعد مثل هذه الأعمال بل يواصل الاقبال على مشاهدتها.
اقرا ايضا