من المعروف منذ القدم ان الكويت بلد بني بشكل كامل بسواعد التجار، والأعمال التجارية والحرفية و(القومسيون)! ومن ينكر دور التجار في تأسيس البلد والإسهامات فيه؟ ابتداء من زعلة تجار اللؤلؤ في عهد مبارك الكبير بعد تمويلهم للحروب ورفض الضرائب، مرورا بتأسيس التجار لشركات ضخمة مثل المواشي والخطوط الجوية الكويتية والبنوك، الى هذه السنين، واكاد اجزم ان التجار لن يتوقفوا عن دعم البلد وتطويره في كل المرافق والمراحل.
ومن ينكر دور التجار لإدخال السياسة والديموقراطية في البلد؟ بداية بمجلس الشورى الكويتي الذي لم ينجح، ثم المجلس التشريعي الأول والثاني، ثم تمرد الأعضاء على التدخل البريطاني، ثم سجن بعض الأعضاء وهجرة بعضهم، ثم المجلس التأسيسي ثم اقرار الدستور قبل تصديقه من الأمير الراحل ابو الدستور (مع العودة للتاريخ سنعي ان اكثر من ثلاث ارباع الأعضاء لجميع المجالس من التجار)، وغيره من الأمور التاريخية الكبيرة والتي وضعت اللبنات الأولى للكويت الديموقراطية، كدولة.
اتركوا عنكم المشاعر والكلام العام.. في ذاك الوقت، من كان يريد ترك العراق الخضراء ذات الجبال والنهرين؟ والسعودية الآمنة؟ والشام البارد العريق؟ وبلاد فارس العظيمة؟ وترك الدولة العثمانية الجبارة؟ ليسكن في بلد صحراوي قاحل صغير غير آمن؟
أتوها افرادا من الزمان المبكر، وقرروا المخاطرة ومواجهة المجهول بالتجارة، وابتدأوا بالغوص على اللؤلؤ، ثم الى الاستيراد والتصدير والاستثمار، ولا يخفى كذلك دور الحرفيين والقلاليف لتأسيس هذا البلد ذي التجارة البحرية الكبيرة.
لكن السؤال الذي لطالما ظل يراود تفكيري، من هو الجيل التجاري القادم؟ من سيقود المرحلة التجارية القادمة في البلد؟ خاصة ان اغلب التجار الآن من ابناء واحفاد المؤسسين والتجار الأوائل، لأن التجارة العائلية نظام مبني بشكل شبه كامل على الأجيال المتعاقبة لنفس العائلة، وحسب ما هو شائع بالعالم وحسب الدراسات ان اكثر من 91% من الشركات العائلية تندثر وتتفكك بعد الجيل الثالث للمؤسس.
هل هناك قادة لهذا القطاع الأساسي من هذا البلد؟ هل هناك اناس اكفاء وعلى قدر عال من الخبرة والثقافة لتطوير هذا القطاع بالكويت؟ هل مازال هناك ثقة من الناس بالتجار؟ خاصة بعد التسويق البشع والمريض من حفنة سياسيين جهلة بأن التجار سرقوا البلد؟ هل مازال هناك ثقة بالتجار بعدما اصبح كل فرد يفتح جريدة الكويت اليوم ليبحث عن المناقصات ويحللها ويسعرها وهو في مكانه بلباس النوم؟ هل مازال هناك ثقة من الشعب بالتجار بعدما اصبح اقصى طموح البعض هو الزيادة والبدلات والكوادر؟ هل مازال هناك ثقة بالتجار بعدما اصبحت ذمم البعض اوسع من قناة السويس، واصبح يرمي التهم جزافا على التجار؟
الكويت لم ولن تكون بلدا اشتراكيا، بل هي نظام هجين، قريب من الرأسمالية، وهي بأمس حاجة للتجار، لأنهم عصب البلد وأساسها.
القطاع الخاص الذي يقوده التجار افضل من القطاع الحكومي بعشرات المرات، بكل تفاصيله وخدماته وجودته، وإسهاماته بالكويت اكبر واعظم من القطاع الحكومي، من بنوك، شركات اتصالات، شركات طيران ومقاولات وحتى شركات عقارية وخدمية.
على سبيل المثال، شركة زين (شركة الاتصالات المتنقلة سابقا)، أخذت عقدا حصريا من الحكومة لمدة 10 سنوات في عام 1987 على ما اظن، على ان تطور هذه الشركة القطاع الاتصالاتي في الكويت والبنية التحتية مقابل هذه الحصرية، لكن عامة الناس اعتقدت بأن شركة الاتصالات المتنقلة احتكرت السوق بفضل نفوذهم، ولم يضعوا في حسبانهم بأن الفائدة مشتركة ما بين الحكومة او البلد والشركة، الحصرية كانت مقابل تطوير البنى التحتية والقطاع بكامله.
مثال اخر الخطوط الجوية الكويتية، فقد كانت ملكا للقطاع خاص، ثم تم بيعها للقطاع الحكومي، وبعدها بعشرات السنوات، اتى القطاع الخاص وأسس خطوط جوية اخرى، ونافست الخطوط الكويتية واطاحت بها، خلال سنوات قصيرة، وتدهورت الخطوط الكويتية.. يا لسخرية القدر!
من الواضح جدا ان القطاع الحكومي عاجز تماما عن مواكبة العصر، ولا تقارنونا بدول الجوار لأن نظام «اتخاذ القرار» والاعتراض مختلف بيننا وبينهم.
هناك سلسلة من المقالات، سيتم ذكر بعض نقاط القوى للنظام التجاري في البلد ودور التجار بشكل خاص، وذكر المشاكل التي ستواجه الجيل التجاري القادم.
[email protected]