Note: English translation is not 100% accurate
دور الدولة في بناء شخصية المواطن.. بقلم: د.خالد عبداللطيف رمضان
29 يناير 2014
المصدر : الأنباء
سادت في السنوات الأخيرة حالة من التذمر في المجتمع الكويتي بشأن حالة التراجع التي شهدتها البلاد على المستويات كافة بعد النهضة السريعة التي تحققت عند استقلال البلاد عام 1961 ،وحاول كثير منا البحث في أسباب هذا التراجع الذي طال التعليم والخدمات الصحية والإسكانية ونظام المرور وسط حالة من تخلف الإدارة الحكومية وفسادها وانتشار الواسطة والرشاوى إضافة الى التراجع في مختلف أوجه النشاط الثقافي والفني والإعلامي والرياضي، وصاحب ذلك نشوء ظواهر اجتماعية سلبية خاصة عند الشباب مثل العنف الزائد الذي وصل في بعض الحالات الى القتل لأتفه الأسباب، والرعونة في قيادة السيارات، مما يعرض الأرواح للخطر، ويحدث فوضى مرورية يشتكي منها مستخدمو الطريق، إضافة الى ظاهرة إتلاف المرافق العامة. وما شهدته الساحة السياسية في الفترة الأخيرة من حراك كانت مادته ووقوده الشباب اليافع الذي خرج الى الساحات والشوارع بأعداد كبيرة وفي معظمه لا يعلم لماذا خرج واندفاعه لممارسة أعمال العنف، والاصطدام برجال الأمن دليل واضح على وجود مشكلة خطيرة تحتاج الى علاج.
فما الذي يدفع الشباب الى هذه الممارسات السلبية التي تضر بهم وبالآخرين؟ ولماذا أصبح الشباب منقادا لكل من يستدرجه للخروج الى الشارع؟
فالملاحظ ان بعض السياسيين والإعلاميين قد برمجوا عقول أبنائنا بحيث أصبحوا يتجرؤون على من هم أكبر منهم ولا يحترمون رجال القضاء وينتصرون للقبيلة على حساب الوطن، وولاؤهم للقبيلة والطائفة يسبق ولاءهم للوطن.. ويتصورون أن أي تاجر مجرد لص يسرق البلاد والعباد دون تمييز بين تاجر صالح وتاجر فاسد، ويطلبون الشهادات بدون تعليم ويسعون الى الوظيفة دون ان يؤدوا العمل. ويطالبون بالامتيازات والحوافز دون بذل اي جهد.
لذا باتت الضرورة ملحة لإعادة تأهيل جيل الشباب على القيم التي نريدها حرصا على تماسك المجتمع ووحدة أبنائه وللحفاظ على النسيج الوطني. والعبور بالوطن نحو الحداثة والرقي والدولة المدنية.
إذن لابد للدولة ان تتحمل مسؤوليتها تجاه ما يحدث، فمؤسسات الدولة المختلفة لم تقم بدورها المطلوب لتربية هذا النشء وتشكيل شخصيته وفقا لمتطلبات المجتمع واحتياجاته، فلم تعد المدرسة تربي، ولا تقوم أجهزة الإعلام بدورها في التوعية والتوجيه، وغابت عن الأجهزة الثقافية الأهداف لغرس القيم الوطنية الإيجابية في نفوس الأبناء، فما يقدم من أعمال فنية وثقافية وإعلامية لا يخضع لخطة تهدف الى رسم ملامح الجيل الذي نريده، وفقا لاحتياجات مجتمعنا، وأغلب ما يقدم من نتاجات ثقافية وفنية يكون كيفما اتفق. ولا يضع في اعتباره غرس القيم التربوية والاجتماعية والوطنية الإيجابية.
لذا نجد ان جيل الشباب اليافع تربى وفقا لقيم العائلة وأسلوبها وتربيتها، ولما وجد في الشارع من أصحاب ورفاق. ولما يغرسه في نفسه بعض الإعلاميين والسياسيين المؤثرين.
لذا علينا ألا نستغرب إذا ما تمكن اي ناشط سياسي يملك بعد الكاريزما سواء كان على حق ام على باطل من استقطاب آلاف مؤلفة من الشباب وإخراجهم في ساعات الى الشوارع ليحدث ما يحدث من انفلات وخروج عن حدود المألوف.
لذا على الدولة بمختلف مؤسساتها ان تبادر الى تدارك الأمر. وتقوم بمهامها ومسؤولياتها في تربية النشء وتشكيل شخصيته وفقا لمتطلبات المجتمع واحتياجاته من خلال جهة مركزية تتمثل فيها كل أجهزة الدولة المعنية بالتربية والتوجيه والتثقيف مثل وزارة التربية ووزارة الأوقاف ووزارة الإعلام والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب والهيئة العامة للشباب والرياضة، بحيث تحدد الأهداف المراد تحقيقها. وصورة شخصية المواطن الكويتي التي نريدها في المستقبل، والقيم التي نريد زرعها فيه مثل:
٭ الولاء والانتماء للوطن أولا.
٭ المحافظة على المال العام ومرافق الدولة.
٭ المحافظة على المكتسبات الدستورية والدفاع عنها.
٭ الالتزام بقيم المجتمع والمحافظة على الآداب العامة.
٭ الإيمان بروح التجديد والابتكار.
٭ توقير الكبار واحترامهم.
٭ العطف على الصغير والضعيف.
٭ الإيمان بالخدمة العامة والعمل التطوعي.
٭ المحافظة على البيئة وحمايتها.
٭ احترام حرية الآخرين.
٭ الإيمان بالرأي والرأي الآخر.
٭ تقبل الآخر مهما اختلف مذهبه أو أصله أو جنسه.
٭ الإيمان برسالة العلم والتزود به.
٭ الإخلاص في العمل والولاء لجهة العمل.
٭ احترام العمل اليدوي.
٭ تذوق الفنون الراقية.
٭ الإيمان بأهمية الثقافة.
وما إلى ذلك من قيم إيجابية يحرص أي مجتمع متحضر على زرعها في أبنائه. وإذا ما وضعت الأهداف.. تلتزم جميع الجهات بتنفيذها وبتنسيق بينها ومتابعة من الجهة المركزية، ومن الوسائل التي يمكن من خلالها استقطاب الشباب وتفريغ طاقاتهم بما يفيد وينفع:
٭ إحياء النشاط المدرسي في مدارس وزارة التربية وما يتبعها من مدارس خاصة، وتخصيص مساحة زمنية كافية للطلاب لممارسة النشاط في مختلف المجالات الرياضية والفنية والأدبية والاجتماعية مع توفير الإمكانات الكافية لكل مدرسة لممارسة الأنشطة المدرسية.
٭ إحياء مراكز رعاية الشباب، بحيث يكون في كل منطقة سكنية مركز لرعاية الشباب، لا تكون مهمته توفير الأنشطة الرياضية وممارسة مختلف الألعاب فقط، وإنما في رعاية مختلف المجالات الأدبية والفنية وتوفير الإمكانات اللازمة لممارسة الهوايات، وتوفير المشرفين المتخصصين لكل مجال.
٭ ضرورة توفير ملاعب صغيرة مزروعة للصغار في كل قطعة من قطع الضواحي، لكي يتمكن الأبناء من قضاء أوقات فراغهم وممارسة هواياتهم الرياضية ويمكن أن تكون هذه الملاعب مجانية أو بإيجار رمزي.
٭ يمكن تخصيص أماكن بعيدة عن الطرق العامة والمناطق السكنية، لهواة قيادة السيارات، بحيث يمارسون هوايتهم في القيادة ومهاراتها بعيدا عن الشوارع لتجنب المخاطر.
٭ للشباب طاقات كبيرة يمكن استغلالها في العمل التطوعي من خلال الترويج له ولفوائده للمجتمع، ويمكن الاستفادة من جهود الشباب خاصة في مجال المحافظة على البيئة ونظافتها سواء البيئة العامة أو البحرية، ويمكن إشراك جمعيات النفع العام بهذه الجهود.
٭ يمكن لوزارة الإعلام الاشتراط على منتجي الأعمال الدرامية الذين يسوقون إنتاجهم على إذاعة الكويت أو التلفزيون، أن تتضمن أعمالهم قيما اجتماعية ووطنية إيجابية، تحددها لهم الوزارة، وأن توجه الجهات الرقابية إلى التشدد في قبول الأعمال الدرامية التي تطرح قيما اجتماعية سلبية تضر بالمجتمع.
٭ يستطيع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من خلال ما يقدم من أنشطة محلية أو مستضافة من الخارج، أن يرتقي بذوق الجمهور لتذوق الفن الرفيع في مجالات النحت والرسم والموسيقى والرقص والغناء، إضافة إلى الإبداعات الأدبية المتميزة في مجالات الشعر والقصة والرواية، وعليه أن يهتم بالمواهب الواعدة للشباب وتشجيعها والأخذ بيدها لكي تنمو وتتطور من خلال الورش التي يشرف عليها كبار الفنانين والأدباء ومن ثم تقديمهم للجمهور ونشر إبداعاتهم وتكريم المتميز منهم، وإجراء المسابقات ومنح الجوائز في مختلف أوجه الإبداع.
٭ ومطلوب من وزارة الأوقاف أن تجعل رسالة المسجد إشاعة روح التسامح وتقبل الآخر، والإيمان بحرية العقيدة، والبعد عن التشنج والتطرف وخاصة عند مخاطبة الشباب، وفي هذا الإطار مطلوب من وزارة التربية تخفيف جرعة المواد الدينية التي يدرسها الطالب حاليا في أكثر من مادة سواء في مادة التربية الإسلامية أو مادة القرآن الكريم ومادة اللغة العربية في النصوص والمطالعة، وحتى في المواد الاجتماعية والتربية الوطنية، ويمكن جعل مادة القرآن الكريم اختيارية، من خلال جعلها أحد الأنشطة المدرسية، بحيث ينتسب إليها من يرغب من الطلاب مع الحرص على تجنب أي مواد في مناهج التربية الإسلامية تثير الخلاف والفتنة بين أبناء المجتمع.
٭ ويمكن الاستفادة من جهود منظمات المجتمع المدني والتعاون معها لتحقيق الأهداف المرجوة في مجال بناء شخصية المواطن واستثمار طاقات الشباب وتطوير قدراتهم.
٭ كما تستدعى الضرورة الاهتمام بأصحاب المواهب المتميزة والمبدعين في مختلف المجالات، من خلال تدعيم مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع لتتجاوز مهمته تشجيع الابتكارات والاختراعات العلمية والتفوق العلمي، إلى احتضان المواهب المتميزة في مجالات الفنون والآداب ومتابعتها وتطويرها، ويمكن إنشاء مراكز مشابهة تتوزع على محافظات الكويت لاستثمار المواهب الواعدة في مختلف المجالات ودعم جمعيات النفع التي تعنى بالشأن الثقافي وتوجيه الشباب ورعايتهم واستثمار طاقاتهم، مع التأكيد على أن المدرسة هي الخلية الأولى في المجتمع التي تعمل على بناء شخصية المواطن من نعومة اظفاره، وهي المكان الأول لاكتشاف المواهب والقدرات المتميزة ورعايتها وتنميتها، وهذا ما كانت تقوم به في الماضي، حيث قدمت لنا الرياضيين، والأدباء والفنانين والقياديين البارزين، وعندما يعود النشاط المدرسي اللاصفي بالشكل الصحيح، ويؤدي رسالته كما ينبغي فستعود المدرسة لممارسة دورها الحقيقي في تربية النشء وتشكيل شخصيته وفقا لأهداف المجتمع.
ولن تتحقق هذه الأهداف من دون تعاون جميع الجهات الحكومية والأهلية والتنسيق فيما بينها تحت مظلة جهاز مركزي يشرف وينسق لكي لا تتضارب الجهود وتفشل، لقد وصل التردي مداه في أجهزة الدولة وسادت الظواهر السلبية بين الشباب وشاعت القيم الاجتماعية السلبية وبات من الضروري الشروع في وضع خطة مركزية لبناء الإنسان الكويتي وفقا لمتطلبات المجتمع واحتياجاته فلن تكون هناك تنمية ولن نتمكن من تحقيق حلمنا بتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري من دون خلق جيل قادر على القيام بهذه المهمة، لنبدأ اليوم لكي نجني الثمار بعد 10 سنوات أو 15 سنة لعلنا نلحق بالركب وننهض ببلادنا التي تنعم بثروة بشرية لم نحسن استغلالها ووفرة مادية لم نحقق الاستفادة المثلى منها.