البصرة - علاء الهويجل - كونا
ما ذكرت البصرة في قصص الرحالة والمؤرخين الا وباسقات نخيلها ولذيذ تمورها حاضرة في الوصف والتفصيل فالبصرة كانت ام النخيل وصانعة التمور قبل ان تأتي عليها الحروب والنزاعات المسلحة فتودي ببساتينها وتحولها الى أراض جرداء وجذوع خاوية.
وكان المسافر بالزوارق في شط العرب في سبعينيات القرن الماضي يحظى برؤية أكثف غابات النخيل في العالم على طول مائة ميل على ضفتي النهر ابتداء من الفاو في رأس الخليج العربي وحتى منطقة القرنة شمالا وبعمق نصف ميل على كل ضفة كان اكثفها نخيل (ابوالخصيب) الذي تتشعب فيه قنوات الري المتفرعة من شط العرب وفقا لمؤرخين.
هذا المشهد لا يفارق مخيلة العراقيين ولا الصور الجدارية المعلقة في مكاتب المسؤولين المحليين في البصرة الذين يتحدثون اليوم عن افكار وبرامج للعودة بالوضع الى ما كان عليه والبدء بمشاريع جديدة لزراعة النخيل رغم إقرارهم بأن الخسارة كانت فادحة وان التحديات الراهنة كبيرة.
وهنا يكشف محافظ البصرة اسعد العيداني في حديث لـ (كونا) امس عن ان الحجم الكلي لخسارة النخيل في البصرة بعد انتهاء الحرب العراقية - الايرانية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي بلغ 15 مليون نخلة معظمها كانت مزروعة في منطقتي الفاو وابي الخصيب.
وأشار الى عمليات التجريف والحرق والقصف التي طالت بساتين النخيل في البصرة عندما تحولت المدينة وبساتينها الى ساحة لتحرك القطع العسكرية وهدف لنيرانها المستعرة بسبب موقعها الجغرافي المحاذي لإيران.
ووصف العيداني خسارة النخيل هذه بالجريمة الكبيرة التي كان يفترض ان يعاقب عليها النظام العراقي السابق كما عوقب على جرائمه الاخرى بحق الانسانية في العراق.
ولفت الى وجود مساع حثيثة تبذلها الحكومتان الاتحادية في بغداد والمحلية في البصرة لاعادة زراعة بساتين النخيل في المدينة وبينها خطة وضعتها وزارة النفط العراقية الاتحادية لزراعة مليون نخلة في البصرة في اشارة الى الحملة التي اطلقها وزير النفط جبار اللعيبي في شهر ديسمبر من العام الماضي بهدف زيادة المساحات الخضراء في المحافظة.
كما اشار العيداني الى ان الحكومة المحلية تخطط بجهودها الذاتية كذلك لزارعة بساتين النخيل في مناطق محددة من المحافظة ابرزها منطقتا البادية وسفوان جنوبا رغم اقراره بأن تلك المحاولات مازالت خجولة على حد وصفه.
وكشف عن مساع اخرى لخلق فرص استثمارية مع شركات خليجية لزارعة النخيل في البصرة مبينا ان الفكرة طرحت اثناء زيارة سابقة لوفد اقتصادي سعودي ضم شركات متخصصة بتنفيذ المشاريع الزراعية، الا انه أشار الى أن الامر لايزال في بداياته ولم يحسم بشكل نهائي حتى الآن.
ورأى ان التحديات التي تواجهها مشاريع زراعة النخيل في المحافظة لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط بل تمتد الى الظروف البيئية السيئة التي تعانيها محافظة البصرة والتي شكلت تحديا جديدا امام مشاريع زراعة النخيل فيها اذ ارتفعت معدلات الملوحة في مياه شط العرب الى أربعة آلاف درجة بقياس (تي دي اس) وهي معدلات عالية قد تمنع زراعته في الكثير من المناطق.
وابدى المحافظ اصرارا واضحا في حديثه على العودة بالبصرة لتكون مدينة النخيل مجددا قائلا «انا اعمل جادا على المضي بهذا المشروع فأنا ابن البصرة وشط العرب ومحبتي للنخيل كمحبتي لأولادي».
واختتم العيداني حديثه مستشهدا بعبارة قال انه اقتبسها من احد الاعلاميين الكويتيين وهي «لنزرع مقابل كل مواطن بصري نخلة» لافتا الى انه سيعتمد تلك المقولة هدفا في المرحلة المقبلة.
ويرى مراقبون ان خطط العيداني لاتزال محط افكار بعيدة المنال مع ما تشهده المحافظة حاليا من حالات تجريف للبساتين من قبل المزارعين انفسهم لتحويلها الى أراض سكنية مع أزمة السكن الخانقة التي دفعت سكان المدن الى التوجه للاراضي الزراعية للسكن فيها بسبب رخص أسعارها مقارنة بالاراضي داخل المدن.
كما ان تمور البصرة ورغم ندرتها وطعمها المميز كأصناف (البرحي) و(الشويثي) و(الخستاوي) وغيرها صارت لا تقوى اليوم على منافسة التمور الرخيصة المستوردة من ايران والامارات العربية المتحدة ما جعل زراعة المزيد من النخيل أمرا غير مجد اقتصاديا للمزارع في الوقت الراهن.
يذكر ان اعداد النخيل في عموم العراق وفقا لإحصاء وزارة الزراعة العراقية كان يتجاوز الـ 35 مليون نخلة قبل اكثر من ثلاثة عقود لم يتبق منها سوى 16 مليون نخلة بينها نحو ثلاثة ملايين نخلة في البصرة.