Note: English translation is not 100% accurate
الدعاء المأثور
إمتاع ذوي الأفهام بأدعية خير الأنام
27 ديسمبر 2013
المصدر : الأنباء
أمد «الإيمان» الإمام والخطيب بمسجد الدولة الكبير الشيخ الداعية د.وليد العلي بـ 30 مقالا أسبوعيا يشرح فيها طائفة مباركة من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن نمتعكم كل أسبوع بها.
د. وليد العلي
إن من أشرف الأدعية التي يتقرب إلى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وأنفع المعاني التي يسعى في تحصيلها الساعي: ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام الذي تجود به القريحة. وإن من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة: ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء:
«اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير».
«اللهم اغفر لي»: المغفرة تتضمن ستر العيوب، والتجاوز عن الخطايا والذنوب، فالله تعالى: (غافر الذنب وقابل التوب)، وهو سبحانه الغفار والغفور لما اقترفه من العيب.
«خطيئتي»: الخطأ هو العدول عن الجهة الصواب، والوقوع في الفعل الذي يورث العتاب.
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف
ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف
أبشر بقول الله في آياته
إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
«وجهلي»: الجهل هو خلو النفس من العلم النافع، أو اعتقاد الشيء بخلاف ما هو واقع.
سقام الحرص ليس له دواء
وداء الجهل ليس له طبيب
«وإسرافي في أمري»: من تجاوز في كل شيء ما حد له فقد وقع في الإسراف، وهو خروج عن الاقتصاد وسبب لوقوع النفس في الإتلاف.
ثلاثة فيهن للملك التلف
الظلم والإهمال فيه والسرف
«وما أنت أعلم به مني»: الرب جل جلاله يحصي عمل العبد وإن نسيه لأنه تعالى أعلم به من نفسه، فهو سبحانه يعلم ما سيعمله في غده وما يعمله في يومه وما عمله في أمسه، فالرب محيط بعباده (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)، وتتعاقب ملائكته على إحصاء أعمالهم كما يتعاقب عليهم الليل والنهار.
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
«اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي»: العبد مؤاخذ على جميع الذنوب التي اقترفها سواء كان عازما أو مترددا، فتسجل أعماله جادا كان أو هازلا وتحصى عليه مخطئا كان أو متعمدا، فكل ما يتصور وقوعه من العبد مما لا يليق من الأفعال ولا ينبغي من الأقوال: ينبغي أن يجتنب لأنه من جملة ما سيحاسب عليه يوم القيامة من الأعمال.
«اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني»: ذنوب العبد إما أن تكون قد مضت فهي سابقة، وإما أنه سيبتلى بها بعد ذلك فهي خطايا لاحقة، وهذه الذنوب السابقة أو اللاحقة إما أن يعلنها العبد فتظهر في سيرته، وإما أن يتخفى بها العبد ويستتر بها عن أعين الناس فيبطنها في سريرته، وهذه الذنوب بأنواعها لا تخرج عن علم الله المحيط، فهو سبحانه أقرب إلى عبده مما يتدثر به من المخيط.
«أنت المقدم وأنت المؤخر»: المقدم والمؤخر اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى التي يقابل بعضها بعضا في الدلالة والمعنى، وهي نظير الأول والآخر، والظاهر والباطن، والقابض والباسط، التي كمالها في اقترانها في المبنى، فمن عامله الله تعالى بفضله فهو من المتقدمين، ومن عامله الله تعالى بعدله فهو من المتأخرين، (فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا) فهو من المتأخرين، (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى) فهو من المتقدمين، والرب جل جلاله يقول في محكم الكتاب المبين: (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين).
فالعبد سائر إلى الله والدار الآخرة بلا توقف في المسير، فإما أن يأخذ بأسباب التقديم أو يأخذ بأسباب التأخير، (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر).
«وأنت على كل شيء قدير»: الرب تبارك وتعالى لا يعجزه شيء من الأشياء ولا يتعاظمه أمر من الأمور، فمغفرته للعبد جميع ما اقترفه من الخطايا والرزايا غير خارج عن المقدور، فمن صدق في التوبة وأحسن في الأوبة وعلم أن ربه ومولاه سميع بصير: فإن الله تعالى يغفر جميع ما اقترفه من الذنوب لأنه على كل شيء قدير.
قدم لنفسك توبة مرجوة
قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها علق النفوس فإنها
ذخر وغنم للمنيب المحسن
اللهم اغفر لنا خطيئاتنا وجهلنا، وإسرافنا في أمرنا، وما أنت أعلم به منا، اللهم اغفر لنا جدنا وهزلنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير.
فالزم يا عبدالله هذا الدعاء وأنت مستيقن بأن ربك لدعائك مجيب، وأنه يخاطبك بقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).
نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء.