سورة مقصدها بيان التوحيد وإظهار الحق وبيان الطريق الموصل إلى الله عزّ وجلّ (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض... الآية) ما زالت آيات الله تدعونا للنظر في آياته الكونية الشاهدة على وحدانيته عزّ وجلّ فجميع ما في الأرض مسخر للإنسان، حيواناتها لركوبه وحمله وأكله وأعماله وأنواع انتفاعه وأشجارها وثمارها لا بد أن تتوقف عندها.
(والفلك تجري في البحر بأمره) السفن سخرها الله لتحملكم وتحمل تجاراتكم وتوصلكم من مكان إلى آخر، ولولا أن أودع الله في هذه المياه قانون الطفو وجعل السفن تطفو على الماء بقدرته ما طفت. ومن رحمته بكم أنه (يمسك السماء أن تقع على الأرض).
(وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور) ليجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. (إن الإنسان لكفور) الكفر لغة: التغطية، كأن الكافر غطى نعم الله بكفره وإشراكه.
بعد أن بين الله الآيات الباهرة في الكون وفي النفس التفت إلى نبيه بأن يدع الكافرين (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه.. الآية) فلا تنشغل بالرد على كفار قريش الذين يحاولون جرجرتك إلى الجدال (فلا ينازعنك في الأمر) فلا يشتتوك ويبددوا طاقتك ولهذا أمر الله رسوله أن يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويمضي على ذلك سواء اعترض المعترضون أم لا.
تمام الحكمة البعد عن الجدال
لا ينفع الجدال مع من جاءك مجادلا ولمواجهة المجادل أعرض عنه لا تضيع الوقت معه واقتصر معه الكلام ولو طبقنا هذا فسوف نسحب بساط الجدل ونضيق دائرة الخلاف (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون) أي هو عالم بنياتكم فمجازيكم عليها.
عقول معطلة
(ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض.. الآية) لا يخفى عليه منها شيء من الظواهر والبواطن والمتقدم والمتأخر، علم محيط بما في السماء والأرض (ويعبدون من دون الله) لا سند لهم على ما فعلوه، فليس لهم به علم وإنما هو تقليد، وأعظم الظلم أن تجعل لله ندا، فالعطل عقلي وشكلي (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر... الآية) أصبحت وجوههم شاهدة على ما في قلوبهم، اصبحت صورتهم بشعة من الداخل والخارج، هؤلاء أعدت لهم النار وتستقبلهم كما يستقبل الحبيب الغائب، متشوقة إلى تعذيب هؤلاء الكفار.
نداء رباني
(يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له... الآية). يوجه الله تعالى نداء للناس أجمعين والناس في القرآن غالبا توجه للكافرين فيخبرنا الله بالمثل حيث ضرب الله المثل بمخلوق من أحقر مخلوقاته في حجمه وفي ضعفه للدلالة على الحقارة والضعف فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف فما فوقه من باب أولى (ولو اجتمعوا له) وهذا غاية ما يصير من العجز (ضعف الطالب) الذي هو المعبود من دون الله (والمطلوب) الذباب فكل منهما ضعيف.
(وما قدروا الله حق قدره) هؤلاء سووا الفقير العاجز في جميع الوجوه بالغني القوي من جميع الوجوه (إن الله لقوي عزيز) كامل القوة كامل العزة.
منظومة العبادة هي منظومة الحياة
(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) يأمر الله عباده المؤمنين بالصلاة وخص منها الركوع والسجود وهي الصفات الفعلية للصلاة كأن الله يقول اسطع بصلاتك افعلها بكل قوة وعزة وثقة فهي صلتك بالله.
وعلّق ذلك فقــال: (لعلكم تفلحـون) أي تفوزون بالمطلوب وتجنون ثمار هذه العبادة، فإن هذا رجاء فلاحكم، والفلاح أعمّ كلمة في اللغة العربية.
اصطفاء رباني
(هو اجتباكم) منة من الله وفضل يخاطبنا الله كما خاطب بني اسرائيل «أنتم الذين اصطفاكم الله من بين هذه الأمم وكلفكم بحمل الرسالة بعد ان زودكم بالثبات» فهو دين يسر ودين محبة ودين قدرة (ملة أبيكم إبراهيم) هذه الملة المذكورة ملة أبيكم إبراهيم التي مازال عليها فالزموها واستمسكوا بها.
(هو سماكم المسلمين من قبل) أي في الكتب السابقة أنتم مذكورون ومشهورون (ليكون الرسول شهيدا عليكم) بأعمالكم خيرها وشرها وتكونوا شهداء على الناس لكونكم خير أمة أخرجت للناس.
(فأقيموا الصلاة) بأركانها وشروطها وحدودها (وآتوا الزكاة) المفروضة لمستحقيها شكرا لله على ما أولاكم.
(هو مولاكم) من بشارات الله لأهل الإيمان هو الذي يدبر أموركم (فنعم المولى ونعم النصير) نعم المولى لمن تولاه ونعم النصير لمن استنصره.