ينتقل الـــله عز وجل بنا الى مشهد آخر فيـــقول (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) دخل مستخفيا، وقد يدخل العظماء البلد من غير استقبال ولا احتفاء وقد كان الشيخ جابر، رحمه الله، يسوق سيارته الشفر كابريس وهو متلثم يدور على شوارع الكويت ويتفقد أحوال الناس، رحمة الله عليه، (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ) الأول من بني إسرائيل والثاني من الأقباط الذين هم قوم فرعون، وصارت فزعة حين وكز موسى الرجل فلما دفعه موسى مات بالخطأ ولم يقصد قتله، فاستغفر موسى (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
كمال التوبة
فلما اعترف بذنبه وتاب، جاءت الخطوة الثالثة في كمال التوبة التي هي الإصلاح، قلنا التوبة عبارة عن ثلاث مراحل: الندم والاستغفار ومحاولة الإصلاح (قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) بما أنعمت علي بالتوبة والمغفرة والنعم الكثيرة فلن أكون معينا لأحد على معصية (فأصبح في المدينة خائفا يترقب)
(فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه) مرة ثانية تصادف معه مرة أخرى الذي من شيعته من بني إسرائيل، هذا الإسرائيلي مرة أخرى رأى موسى وهو يتصارع مع قبطي فاستنجد بموسى مرة أخرى (قال له موسى إنك لغوي مبين) يعني لا تكف عن هذه المشاكل، لا تكف عن الدخول في هذه المهاترات.
تدبير الله
(وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) ما الذي أتى به؟ حبيباتي، شاهدن تدبير الله فقط تدبير الله لموسى أمر عظيم، يرسل رجلا يجري وهو جند من جنود الله يمشي بسرعة يريد ان يصل إليه قبل ان يصلوا (قال يا موسى إن الملأ) الملأ هم كبار القوم وعليتهم عند فرعون (يأتمرون بك) يعني الآن وقد يكون في مجلسهم أو سمعهم، الآن حصلت لهم الفرصة لقتلك والتخلص منك، فنصحه هذا الرجل بالخروج فاستطاع موسى عليه السلام ان ينجو من محاولة القتل هذه.
عبر من سورة القصص للعلامة السعدي
1- الله سبحانه يسوق القصص من أجل عباده وحسب ايمان العبد تكون عبرته.
2- ان الله اذا أراد أمرا هيأ أسبابه وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج لا دفعة واحدة.
3- إن الأمة المستضعفة ولو بلغت من الضعف ما بلغت لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها ولا اليأس من ارتقائها إلى أعلى الأمور خصوصا اذا كانوا مظلومين.
4- الإيمان يزيد وينقص، وان من اعظم ما يزيد به الايمان اليقين والصبر عند المزعجات والتثبيت من الله عند المقلقات.
5- من اعظم المعونة للعبد على أموره تثبيت الله وربط جأشه وقلبه عند المخاوف.
6- اذا عرف العبد ان القضاء والقدر ووعد الله نافذ ولابد منه فإنه لا يهمل في الأسباب التي امر بها ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه.
7- ما دامت الأمة ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به لا يقوم لها أمر دينها ودنياها ولا يكون لها إمامة فيه.
8- لطف الله بأم موسى وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة برد ابنها وجعله من المرسلين.
9- ان الله يقدر على عبده بعض المشاق لينيله سرورا أعظم من ذلك او يدفع عنه شرا اكثر منه كما قدر على ام موسى ذلك الحزن الشديد والهم البليغ الذي هو وسيلة الى ان يصل اليها ابنها لتطئمن به نفسها.
10- ان الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الايمان ولا يزيله كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف.
11- جواز خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرجال من غير محذور كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين.
12- جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع.
13- ان الله من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد اكرامه ان يريه من آياته ويشهده من بيناته ما يزيد به إيمانه.
14- لا يجوز قتل الكافر الذي له عهد بعقد او عرف.
15- ان الذي يقتل النفوس بغير حق يعد من الجبارين الذين يفسدون في الأرض.
16- من أراد قتل النفوس بغير حق وزعم انه يريد الإصلاح في الأرض فإنه كاذب في ذلك وهو مفسد.
17- إخبار الرجل بما قيل فيه على وجه التحذير له من شر يقع فيه لا يكون ذلك بنميمة بل قد يكون واجبا كما أخبر ذلك الرجل موسى ناصحا له ومحذرا.
18- اذا خاف أحد القتل في الإقامة فإنه لا يلقي بيده الى التهلكة بل يذهب عنه.
19- عند تـــزاحم المفسدتين اذا كان لابــــد من ارتكاب احداهما فأنه يرتكب الأخف منها والأسلم.
20- الناظر للعلم عند الحاجة الى التكلم فيه اذا لم يترجح عنده أحد القولين فانه يستهدي ربه ويسأله ان يهديه الصواب من القولين.
21- الرحمة بالخلق والاحسان على من يعرف ومن لا يعرف من اخلاق الأنبياء وان من الإحســـان ســـقي الماشية الماء واعانة العاجز.
22- استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها ولو كان الله عالما لها لأنه تعالى يحب تضرع عبده واظهار ذله ومسكنته.
23- الحياء من الأخلاق الممدوحة.
24- المكافأة على الاحسان لم يزل دأب السابقين.
25- العبد اذا فعل العمل لله ثم حصل على مكافأة عليه من غير قصد فإنه لا يلام على ذلك.
ألقيت المحاضرة بمسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء