عبر وآيات
(وإلى مدين أخاهم شعيبا... الآية) يخاطب الله المؤمن بالنظر في آيات الله وكيف كان إفساد قوم شعيب، كان افسادهم بسبب المال، علاوة على كفرهم بالله، كانوا يطففون في الميزان والسعي بقطع الطرق (فكذبوه فأخذتهم الرجفة) أي عذاب الله، فأصبحوا في دارهم جاثمين لا حراك فيهم.
(وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم... الآية) وكذلك ما فعلنا بعاد وثمود تشاهدون بأبصاركم مساكنهم وآثارهم التي تمرون عليها وقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينات فكذبوهم وجادلوهم.
والخطاب لعرب مكة وأهل قريش وكذلك قارون وفرعون وهامان حيث بعث الله إليهم موسى بالآيات والبراهين فاستكبروا على عباد الله وأذلوهم فنزلت بهم العقوبة.
العذاب الشديد
(فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا... الآية) كل هذه الأمم المكذبة عذبهم الله بسبب ذنوبهم وبعقوبة مناسبة لكل منهم (فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا) أي عذابا يحصبهم كقوم عاد، (ومنهم من أخذته الصيحة) كقوم صالح (ومنهم من خسفنا به الأرض) كقارون (ومنهم من أغرقنا) كفرعون وهامان وجنودهما (وما كان الله) أي ما ينبغي ولا يليق به (ليظلمهم) لكمال عدله وغناه التام عن جميع الخلق (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) فمنعوها حقها الذي هي مخلوقة لعبادة الله وحده ووضعوها في غير موضعها وشغلوها بالشهوات والمعاصي فضروها غاية الضرر من حيث ظنوا انهم ينفعونها.
مثل العنكبوت
(مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا... الآية) برغم حضارتهم وقوتهم كان حالهم كبيت العنكبوت لأنهم اتخذوا إلها غير الله للدلالة على الضعف، هؤلاء الذين استندوا إلى آلهتهم ولم يستندوا إلا على بيت العنكبوت اتخذوا آلهة باطلة يرجون نصرها من دون الله وهذه الآلهة باطلة لا تنفعهم بشيء كما لم ينفع العنكبوت بيتها بشيء، هذا البيت الذي هو من أضعف البيوت.
(إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم) الله يعلم انهم ما يدعون من دون الله شيئا موجودا ولا إلها له حقيقة (وهو العزيز الحكيم) الذي له القوة جميعا الذي قهر بها جميع الخلق (الحكيم) الذي يضع الأشياء مواضعها الذي أحسن كل شيء خلقه.
أهمية الأمثال
(وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) من أجل انتفاعهم وتعليمهم لكونها من الطرق الموضحة لأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة فيتضح المعنى المطلوب بسببها فهي مصلحة لعموم الناس. يريد الله أن يأخذ بيدك للتعرف بمراده عز وجل.
ولكن (وما يعقلها) بفهمها وتدبرها وتطبيقها على ما ضربت له وعقلها في القلب (إلا العالمون) أي: إلا أهل العلم الحقيقي العالمون بالحق والعالمون بكتابه عز وجل.
هذه الأمور ضرب الله تعالى بها مثلا عظيما ولكن هؤلاء يعاندونه ولا يستفيد من هذه الأمثال الا العالمون بالحق ومن يعلم أهميتها ويعقلها. وهذا مدح للأمثال التي يضربها وحث على تدبرها وتعقلها ومدح لمن يعقلها.
آيات بينات
(خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين) مازال الله عز وجل يأخذ بيد الإنسان في آياته الكونية كما يأخذ بآياته الشرعية التي تدل على وحدانية الخالق، بديع السماوات والأرض، المنفرد بخلق السماوات على علوها وارتفاعها وحسنها وسعتها وما فيها من الشمس والكواكب والملائكة والأرض وما فيها من الجبال والبحار والأشجار ونحوها، وكل ذلك خلقه بالحق أي لم يخلقها عبثا ولا لغير فائدة.
المؤمن إذا نظر في السماء عرف الحق، وإذا نظر في الأرض عرف الحق، المؤمن يتعبد لله عز وجل بالنظر في آياته الكونية كما يتعبد لله بقراءة آياته الشرعية.
يقول الله عز وجل: (إن في ذلك لآية للمؤمنين) جاءتنا الآن صيغة من صيغ العموم حبيباتي، المؤمنين بماذا؟ أطلقها الله عز وجل، أخفى المعمول، وهذه علامة من علامات العموم، ودخلت (ال) للاستغراق والافادة أن هؤلاء المنتفعين بهذه الآيات هم الذين لامس الايمان احوالهم وقلوبهم حتى اصبح سمة وصفة لهم.
فضل الصلاة
ثم التفت عز وجل في الخطاب الى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم والخطاب للنبي خطاب إلى أمته فجاء الأمر منه سبحانه وتعالى (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة... الآية).
يأمر الله تعالى بتلاوة وحيه وتنزيله وهو هذا الكتاب العظيم ومعنى تلاوته اتباعه، بامتثال ما يأمر به واجتناب ما ينهى عنه والاهتداء به، وتصديق أخباره، وتدبر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فصارت تلاوة لفظه جزء المعنى وبعضه وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب فإن اقامة الدين كله داخلة في تلاوة الكتاب فيكون قوله (وأقم الصلاة) من باب عطف الخاص على العام لفضل الصلاة وشرفها وآثارها الجميلة وهي (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، فالفحشاء كل ما استعظم واستفحش من المعاصي التي تشينها النفوس والمنكر كل معصية تنكرها العقول والفطر، ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أن العبد المقيم لها، المتم لاركانها وشروطها وخشوعها يستنير قلبه ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير وتقل او تنعدم رغبته في الشر فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر فهذا من أعظم مقاصد الصلاة وثمراتها.
أفضل عبادة
ثم في الصلاة مقصود اعظم من هذا وأكبر وهو ما اشتملت عليه من ذكر الله بالقلب واللسان والبدن، فإن الله تعالى إنما خلق العباد لعبادته وأفضل عبادة تقع منهم الصلاة، وفيها من عبوديات الجوارح كلها، ما ليس في غيرها ولهذا قال: (ولذكر الله أكبر) ويحتمل انه لما أمر بالصلاة ومدحها أخبر بأن ذكره تعالى خارج الصلاة أكبر من الصلاة، كما هو قول جمهور المفسرين، لكن الأولى، أولى، لأن الصلاة أفضل من الذكر خارجها، ولأنها كما تقدم من أكبر الذكر.
القيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء