قال عز وجل على لسان لقمان: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ)، تعلّم ما هو معروف حتى تأمر به، كيف تأمر بشيء لا تعرفه؟ إذن ما لا يحصل الواجب إلا به كما يقول الفقهاء في قاعدة تقول ما لا يحصل الواجب إلا به فهو واجب، يعني ما يحصل به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ماذا؟ العلم ما هو الأمر بالمعروف وما هو النهي عن المنكر، كيف أعرف ان هذا من الدين إذا لم أتعلم؟ كيف أوجه الآخرين إذا لم أعرف؟ إذن هنا تسبق هذه الوصية بالأمر بالعلم بدينك، الأمر بالمعروف، الأمر بما هو منكر.
أهمية الصبر
لما أمر بمخالطة الناس أمره بالصبر على أذى الناس، قال: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ)، ما يصيبك من الناس او ما يصيبك من أقدار الله، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، لما أمره بيّن له أهمية هذا الأمر، هذا الأمر عظيم أنك تصبر على ما أصابك، وكأنه يحفز ويحمس هذا الولد لتلقي البلاء بعدة الصبر هذه التي عنده، فإذا جاء البلاء تذكر كلام أبيه قال اصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، فيقول إني لذو عزيمة كما رباني أبي، انظروا إلى التربية التي في هذه الوصية العظيمة.
(سؤال: إن ذلك من عزم الأمور عائدة على ما قبلها فقط أم كل ما سبق)، هو الضمير في اللغة العربية يرجع الى ما قبلها ولكن ايضا يرجع الى كل ما سبق اذا احتمل المعنى، فهذا يشمل كل ما سبق، يعني ان ذلك أن من عزم الأمور ان تصلي، ومن عزم الأمور ان تشكر الله، ومن عزم الأمور أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وان تصبر على ما أصابك، واختص بها ما تعلق بآخرها وهي الصبر على الأذى، لأن هذه مرتبة صعبة، لأن الإيمان كما يقولون نصفه شكر ونصفه صبر، قد يسهل الشكر في مواطن وقد يصعب الصبر في مواطن ولكننا مأمورون به، نحن مأمورون بالصبر.
لا تتكبر
يقول لقمان (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)، الصعر في اللغة داء يصيب الإبل فتلتوي بها أعناقها فلا تستطيع أن تردها فيصير مرضا، ضرب الله بها المثل لما يتكبر الانسان كأنه أصبح كهذه الناقة التي أصابها هذا الداء فأصبحت لاتستطيع أن تنظر أمامها.
(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) يعني لا تلف بخدك عن الناس تكبرا واستصغارا لحالهم، العجيب انه لما أمره بالعبادات أمره بالمعاملات، لأن الدين معاملة، لكن هو ليس فقط معاملة، فالدين عبادة ومعاملة، والمعاملة بأهمية العبادة في ديننا، فهو الآن يزكي أخلاق ابنه، اول ما يأمره يأمره بالتواضع.
«أعرف واحدة هي بنت شيوخ ابا عن جد من الطرفين بطن وظهر مثل ما يقولون، وعيالها في مدارس خاصة وزوجها..، المهم الله منعم عليها وعلى زوجها، عندهم سيارة توصل الأولاد (بوكس) فكانت البوكس توديهم المدرسة والمدرسة خاصة وتعرفون الأقران، فجاءت البنات يقلن لهم نحن لا نريد ان نركب البوكس، نريد أن نركب سيارة محترمة، ما يصير تودينا بالبوكس، قالت ان شاء الله عاينوا من الله خير، باكر الصبح إن شاء الله تلاقون السيارة أمامكم، أصبحوا الصبح الأم واقفة وراكبة (وانيت) وركبت هي بالقمرة وركبتهم ورا.
أسبوع الوانيت يوديهم ويجيبهم من المدارس، الى ان تأدب الأبناء قالوا نريد البوكس، على الأقل البوكس فيه تكييف.
تربية الأبناء مسؤولية عظيمة للوالدين، لذلك من الأخلاق التي يأمر بها لقمان ابنه لا تتكبر، لا تتكبر على غيرك، قال: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا)، يعني مختالا متبخترا، لما أمره بيّن على الأمر، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، مختال على الناس وفخور ننفسه هذا مصيبة، الله سبحانه وتعالى لا يحبه وإذا أفلس وخرج من حب الله ماذا بقي له؟ نسأل الله العافية، فأيضا من المواقف التربوية أن لقمان لما بيّن لابنه النهي بيّن له النهي وسببه.
تواضع في مشيك
ثم قال: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ)، يعني تواضع في مشيتك، سبحان الله ترى المشي في القرآن ذكر أكثر من مرة، ما أدري إذا أُلف في هذا الباب ام لا، الله سبحانه وتعالى في عباد الرحمن يصفهم كيف يمشون، نعم يقول (الذين يمشون على الأرض هونا)، فإذن المشي له سر، المشي يكشف ما في القلب، هو عنوان شخصيته ، هو دليل على ما في نفسه، كان أحد الصحابة في احدى الغزوات يمشي ماسكا السيف بيده يلعب به متبخترا، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال «هذه مشية يكرهها الله إلا في هذا الموضع»، أسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو.
يعني فقط في وقت الحرب أمام الأعداء يبين لهم قوته هذا شيء زين، قال عز وجل: (واقصد في مشيك)، تواضع في مشيك، طيب التواضع في المشي هل معناه أني أمشي مشي المنكسرين؟ لا، تمشي مشيتك الطبيعية العادية ولا يكون في نفسك ان تبين للناس انك متكبر عليهم، امش مشية سوية، مشيتك الطبيعية العادية.
قال : (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ)، يعني لا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، الصوت في الحق يرفع لكن فيما لا فائدة فيه لا يرفع، والإنسان لا يبالغ أيضا في الكلام يرفع صوته في كلام لا فائدة منه، يراعي كلامه ويراعي موضع هذا الكلام، أين يقال ومتى يقال ولمن يقال، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، مصيبة، كل كلمة تخرج من هذه الشفاه كتبت، مازالت في نفسك نسأل الله العافية، نسأل الله أن يغفرها لك، لكن متى ما خرجت من هذا اللسان سبقت، كتبت إما لك وإما عليك.
قال: (إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)، أقبحها صوت الحمير ـ أعزكم الله ـ معروفة لبلادتها وصوتها المرتفع.
شبه صوت الإنسان حين يعلو بلا فائدة كصوت الحمار الذي ينهق أيضا بلا فائدة ويسبب صوته إزعاجا ومن أقبح الأصوات.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء