تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم
(ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل) يخاطب الله عز وجل نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وينفي عنه الشك بقوله لا تكن في شك من لقاء موسى عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج وجعلنا التوراة هداية لبني إسرائيل تدعوهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم، هذا الكتاب الذي انزله الله تعالى على موسى هو هدى لنبي اسرائيل، يخبر الله عن الأئمة من بني إسرائيل وكأنه يلمح بشروط التمكين، فبالصبر واليقين التام تقام الإمامة في الدين (لما صبروا) دل على أن الثبات على دين الله يحتاج إلى الصبر واليقين: وهو العلم التام الدافع إلى العمل وكلما تمكن علم الإنسان زاد عمله.
أهمية الصبر
وقد جعل الله من بني إسرائيل هداة ودعاة إلى الخير، يأتم بهم الناس ويدعونهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده وطاعته، وقد نالوا هذه الدرجة العالية حين صبروا على أمر الله وترك نواهيه والدعوة اليه وتحمل الأذى في سبيله وكانوا بآيات الله وحججه يوقنون، وقد وصلوا في الإيمان بآيات الله إلى درجة اليقين وهو العلم التام الموجب للعمل فتعلموا تعلما صحيحا وأخذوا المسائل عن ادلتها المفيدة لليقين حتى وصلوا لذلك بالصبر واليقين. قال ابن تيمية: من أعطي الصبر واليقين جعله الله إماما في الدين.
أهل الحق وأهل الباطل
(إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) إن ربك ـ يا محمد ـ هو الذي سيفصل بين بني إسرائيل من المؤمنين والكافرين وغيرهم يوم القيامة بالعدل فيما اختلفوا فيه من أمور الدين ويجازي كل إنسان بعمله بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
لوحة محكمة
(أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون).
تعجب الله تعالى لما يعطل الإنسان عقله، والشواهد التاريخية أمامكم والتاريخ لوحة محكمة لشواهد التوحيد. أولم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول: كم أهلكنا من قبلهم من الأمم السابقة يمشون في مساكنهم فيشاهدونها عيانا كقوم هود وصالح ولوط؟ ألم يتعظوا؟
وهذا حالنا والآية تبين إذا زاروها من أجل العبرة ويرون أنهم تركوا القصور وتركوا الملك وتركوا كل شيء ولم يبق إلا لا إله إلا الله ولكن إذا ازاروها للفرجة فقط دون أخذ العبرة والعظة فلا اهمية لذلك. أيها الإنسان ميزان عقيدتك دليل كاف على ان الله متصرف في الكون وما فيه. (أفلا يسمعون) لماذا جاء السمع؟ لأنها اخبار تاريخية، ألم يتعظوا حين سماعها ويتذكروا مواضع حججنا سماع تدبر وتفكر ليعتبروا بها.
قدرة الله
ثم يلفتهم الله عز وجل إلى آية كونية للخلق الذي خلقه بعد أن بين الله قدرته على الاهلاك، أرشد إلى قدرته على الإحياء ليبين أن النفع والضر بيده تعالى فقال: (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) انظر أيها الانسان الى هذه الأرض لا حياة فيها، والله تعالى يسوق الماء بالمطر فإذا بالأرض تنشق ويخرج منها الزرع متنوعا، وهذا التنوع الذي أوجده الله بقدرته للإنسان والحيوان والدواب من أرض لا نبات فيها فتأكل منه انعامهم وتتغذى به أبدانهم فيعيشون به؟ أفلا يرون هذه النعم بأعينهم فيعلموا ان الله الذي فعل ذلك قادر على إحياء الأموات ونشرهم من قبورهم؟
يقول المفسرون نزلت الآية في أرض مصر «النيل» كان يأتي من الجنوب برمال وطين والله يسوق لها الماء.
(أفلا يبصرون) أي أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلمون أن القدرة التي بها فعلنا ذلك لا يتعذر عليها أن تحيي الأموات وتنشرهم من قبورهم وتعيدهم بهيئاتهم التي كانوا عليها قبل موتهم؟
استعجال بالعذاب
(ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون) يقول الله تعالى عن منهجية هؤلاء الكفار (متى هذا الفتح) حتى يفصل الله بيننا وبينكم إن كنتم صادقين.
قل يوم الفتح سواء في الدنيا أو الآخرة لن ترحم ولن تنظر لك نظرة رحمة فالتفت الله في خطابه لنبيه (فأعرض عنهم) لما وصل خطابهم إلى حالة الجهد واستعجال العذاب (وانتظر) الأمر الذي يحل بهم فإنه لابد منه ولكن له أجل فأنت يا محمد على يقين بأن الحق سينتصر، وانتظار الكافر وبال عليه ينتظر عذابه فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين ولا تبال بتكذيبهم وانتظر ما الله صانع لهم إنهم منتظرون ومتربصون بكم دوائر السوء.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء